أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، يونيو 09، 2026

أزمة التعليم وأثرها على العمارة


جمال الهمالي اللافي

حين يُترك طالب الليسانس والبكالوريوس بلا تأهيل عميق في مجاله، فإن الدراسات العليا لا تُنتج سوى صور باهتة لحملة ألقاب، لا لحملة معرفة. تتحول الماجستير والدكتوراه إلى وسيلة للوجاهة الاجتماعية، لا إلى مختبر للبحث العلمي. وهكذا يصبح اللقب غاية، والفعل هامشاً، والفخر بديلاً عن الإنجاز.

هذا الخلل في التكوين الأكاديمي لا يقف عند حدود الجامعة، بل يتسرب إلى العمارة نفسها. فالمعماري الذي لم يُصقل بالمنهجية والوعي النقدي، سيكتفي بالواجهة الشكلية، ويُنتج مباني بلا روح، تكرر القوالب المستوردة وتُهمل الهوية المحلية. إن ضعف التعليم هو الذي يفرز عمارة ضعيفة، لأن العمارة في جوهرها فعل معرفي قبل أن تكون فعلاً إنشائياً.

العمارة الليبية بين الشكل والجوهر

في ليبيا، تتجلى هذه الأزمة بوضوح في الفضاء العام. نرى مباني عامة تفتقر إلى العمق الثقافي، تكتفي بالزخرفة السطحية، وتُشيّد بلا اعتبار للسياق الاجتماعي أو المناخي. مشاريع عمرانية تُنفّذ وكأنها نسخ من كتالوجات أجنبية، لا تحمل بصمة المكان ولا ذاكرة الناس. هنا يظهر أثر التعليم الضعيف: معمار لا يملك أدوات النقد، فيستسلم للجاهز والمستورَد، ويغفل عن مسؤولية العمارة في حماية الهوية.

البعد الأخلاقي للنقد المعماري

النقد المعماري في هذا السياق ليس ترفاً ثقافياً، بل واجباً أخلاقياً. فالمعماري الذي يقبل أن يكون مجرد ناقل لأشكال بلا مضمون، يساهم في إفراغ المدينة من روحها. والجامعة التي تُخرّج أجيالاً بلا تأهيل حقيقي، تُسهم في إنتاج فضاء عام هش، ينهار أمام أول اختبار للهوية أو للكرامة العمرانية.

نحو إصلاح جذري

إصلاح العمارة يبدأ من إصلاح التعليم. لا يمكن أن نطالب المعماري بالعمق إذا لم يُمنح أدواته منذ البداية. ولا يمكن أن ننتظر من الدراسات العليا أن تُنتج معرفة إذا كانت المرحلة الأولى قد أفرغت الطالب من المنهجية والصرامة. إن إعادة الاعتبار للمرحلة التأسيسية هي المدخل الحقيقي لبناء عمارة تحمل معنى، وتُضيف إلى العمران لا أن تُثقل كاهله بالفراغ.

ختاماً، المدينة ليست واجهة تُزيّن، بل كيان يُبنى بالمعرفة والوعي. والعمارة ليست لقباً يُضاف إلى بطاقة، بل فعلٌ يُترجم إلى فضاء يليق بالإنسان. فإذا أردنا أن نعيد للعمارة الليبية كرامتها، فعلينا أن نعيد للتعليم الجامعي رسالته، وأن نربط بين الفعل واللقب، بين الإنجاز والفخر، بين الجوهر والشكل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...