أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، يونيو 15، 2026

سراب القبول: حين يغترب نبض المبدع

 

جمال الهمالي اللافي

ما الذي يعنيه أن ترتهن روحك وتُعلق قلبك بكامل نبضه؟ الأمر أعمق بكثير مما قد يتبادر إلى الأذهان. يبدأ التيه حينما ينشغل قلب المعماري، أو الفنان التشكيلي، أو الأديب، بعطشٍ خفيٍّ لأن ترى أعماله النور تحت سماء الغرباء؛ أن تُشيّد معمارك على أراضيهم، أو تتسول لوحاتك جدران متاحفهم، أو تُترجم عصارة فكرك لِتُتلى بألسنتهم، باحثاً عن تصفيق نقادهم. حين يتحول هذا الشغف إلى هوسٍ مرضيّ وتعلقٍ يسلب اللبّ، فاعلم أنك انزلقت بملء إرادتك في هاوية تتلاشى فيها هويتك وتتبخر قيمتك.

في قاع هذه الهاوية، تتشوه العقيدة وتُمسخ الفطرة دون أن تدري؛ إذ تختلط النوايا، ويتحول محراب الإبداع الذي كان يُبتغى به وجه الله، إلى مسرحٍ تُستجدى فيه مرضاة خلقه. تنحدر الروح في سعيها المحموم لتفصيل الإبداع على مقاس معاييرهم وقيمهم، مُستبدلةً يقين الإيمان بوهم القبول.

وما أشد إهدار القيمة الإنسانية حين تُعلق احترامك لذاتك على مشنقة الرضا الغربي. يصبح تقييمك لنفسك أسيراً لنظرتهم، فإن رضوا ارتفعت، وإن أشاحوا بوجوههم سقطت. إنه ارتهانٌ يُورث الروح نظرة دونية، تظل كظلٍّ ثقيل يرافقك في كل تفاصيل حياتك، لتنسى أن الإبداع كرامة وحرية، لا قيدٌ يُكبلنا بنظرة الآخر.

إن اللهاث وراء سراب الشهرة خلف الحدود يسرق من المبدع لذة الرضا، ليصبح نتاجه الفني محض سلعة تنتظر ختم الجودة من عيونٍ غريبة، بدلاً من أن يكون تدفقاً حراً للعبقرية.

ولا ننكر هنا ذلك الوجع المحلي المرير؛ حيث يُمارس الإقصاء المتعمد بحق المبدع الليبي من قِبل بعض القائمين على مؤسساتنا. فحين تشرع متاحفنا، كمتحف السرايا الحمراء، أبواب صالاتها لأعمال تشكيلية وافدة في تجاهل صارخ لأبناء الأرض، فإنها تبعث برسالة مجحفة وقاسية مفادها: "لن نكلف أنفسنا الالتفات إليكم مهما بلغتم من إبداع، وستبقى جدراننا حكراً على غيركم". وهو جرح غائر، ومحاولة صريحة لكسر الأقلام وطمس الهوية.

ولا يقتصر هذا الإقصاء على لوحة الفنان فحسب؛ بل يمتد لينخر جسد العمارة والتشييد حين ترتهن مشاريع الوطن لشركات أجنبية، ويُضيّق الخناق على المهندس والمعماري الليبي، ليُهَمَّش ويصبح مجرد مشاهد عابر يرقب صروحاً تنهض وتتسع على أرضه؛ صروحاً لا يد له في إرساء دعائمها، ولا قلم في رسم ملامحها، ولم تمر خطوطها عبر خلايا فكره، ولم يلامس بهاءها ورصانة إبداعه.

أما الكاتب والأديب، فقد استدرجه هذا اللهاث ليمسخ فضاءاته الروائية، ويشوه نقاء حبره وحكاياته بحشوها بغثاثات وسقطات قيم الآخرين الدخيلة، تملقاً لذائقتهم وطمعاً في أن يحظى بجوائزهم وتكريماتهم.

ولكن، رغم قسوة هذا الإقصاء ومرارته، اغرس جذور كرامتك في أرضك، وحارب لتفرض وجودك حيث نبتت هويتك. فأن تقف شامخاً في وطنك، محارباً لإثبات ذاتك، لهو أشرف من مطاردة سراب القبول في صحاري الغرباء، وأكرم من العيش في أحلام يقظةٍ تُنسيك من أنت وإلى أين تنتمي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...