أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، أبريل 28، 2026

متلازمة المعبد الأكاديمي: بين رهبنة المعرفة وسلطة الطاغوت

 

جمال الهمالي اللافي

إن التأمل في واقع العديد من المؤسسات الأكاديمية يكشف عن تحول خطير في وظيفتها الأساسية؛ فبدلاً من أن تكون منارات للتنوير ومصانع للوعي، تحولت في كثير من الأحيان إلى "معابد" مغلقة. في هذه المعابد، لا يتم البحث عن الحقيقة، بل تتم حراسة "اليقينيات المستقرة" التي تضمن استمرار الامتيازات الرمزية والمادية لمن نصبوا أنفسهم حراساً للهيكل.

كهنة المعبد وعقيدة الجهل المبطن

الكوادر الأكاديمية التي تتبنى عقلية "الكهنة" تعمد إلى خلق لغة معقدة وطقوس تراتبية صارمة، متمثلة في الدرجات العلمية ولجان الترقية والألقاب المتضخمة. هذا التعقيد ليس هدفه الدقة العلمية دائماً، بل غايته "الاستغفال" وصناعة مسافة شاسعة بينهم وبين العامة من خلال ما يمكن تسميته بـ "الجهل المبطن".

والمفارقة الصارخة هنا أن هؤلاء "الرهبان" ليسوا بالضرورة متآمرين بوعي مسبق، بل هم في الغالب ضحايا للمنظومة التي قولبتهم؛ فهم يغرقون في جهلهم لدرجة أنهم يعتقدون يقيناً أنهم يملكون ناصية الحقيقة. هذا "الإيمان بالجهل" هو ما يمنحهم القوة الإقناعية أمام البسطاء، فراهب يظن أنه يحسن صنعاً هو أخطر بكثير من مدعٍ يدرك زيفه. إنهم يملكون أدوات لتعليب الفكر وتزييفه تحت غطاء العلم، بينما هم في جوهرهم حراس للجمود المعرفي.

والطاغوت، بذكائه الفطري في البقاء، يدرك أن "الراهب العارف" يمثل خطراً وجودياً عليه، لأنه قد يتحول في أي لحظة إلى "نبي" يثور من داخل القصر وتحت رعايته. لذا، يفضل الطاغوت "الكاهن الغارق في يقينه الزائف"، الذي يتقن فنون التجهيل بضمير مستريح، محولاً الجامعة من فضاء للبحث عن الحقيقة إلى مؤسسة لإعادة تدوير المعلوم وقتل بذور التساؤل.

صياغة العقول واستبعاد "النبي" المجدد

لا يتوقف الأمر عند احتكار المنصة، بل يمتد إلى هندسة عقول التلاميذ؛ حيث يتم صياغة تفكير الأجيال الجديدة وفق مسارات محددة سلفاً لا يُسمح بالخروج عنها. يتم تدجين الطالب ليصبح نسخة مكررة من "الراهب الأكبر"، ويُستبعد فوراً كل من يجرؤ على التفكير خارج هذا المسار المرسوم أو يمتلك جرأة السؤال المغاير. هذا الاستبعاد ليس مجرد إجراء إداري، بل هو عملية "تطهير معرفي" تضمن للمعبد بقاء جيل مطيع يحرس التقاليد القديمة بدلاً من أن يطورها.

في تاريخ الأفكار، التغيير الحقيقي لا يأتي غالباً من داخل المعبد المستقر، بل يأتي من خارجه، من شخص يحمل صفات "النبي" بالمعنى المعرفي؛ شخص يمتلك رؤية ثورية تقوض الأساسات التي بُني عليها المعبد. دخول هذا المجدد يمثل تهديداً وجودياً للكهنة، لذا فإن أول رد فعل لهم هو الإقصاء والتهميش، لحماية "قداسة" جهلهم التي يستمدون منها شأنهم ومصالحهم.

التحالف العضوي بين الطاغوت والكهنة

تتجلى هنا علاقة تخادمية عضوية قد لا تحتاج إلى تعاقد مباشر، بل هي توافق مصالح تلقائي وضروري لبقاء الطرفين:

1.   تزكية الطاغوت: يوفر الطاغوت للكهنة الألقاب والمناصب والحماية، مما يضمن بقاءهم في أعلى الهرم الاجتماعي مستعلين على البسطاء، محققين مكاسبهم من خلال تلك الهيبة المصطنعة.

2.   تحقيق رغبة الطاغوت في نشر الجهل: يقوم الكهنة بتعميم الجهل الممنهج عبر تقديم قشور المعرفة وحجب لبها التحرري. وبذلك تنعدم لدى العامة "القدرة على التمييز" بين الحق والباطل، أو الظلم والعدل، مما يقطع الطريق على ولادة وعي حقيقي. الطاغوت لا يخشى الجهل البسيط، بل يطمئن للجهل المؤسسي الذي يرتدي ثياب "الدكتوراه" و"الأستاذية" ليقمع أي إمكانية للثورة على فساد أمره.

الواقع العربي: سردية بلا استثناءات

عند إسقاط هذه الرؤية على الواقع المعاش، وتحديداً في الدول العربية وليبيا على وجه الخصوص، نجد أن المنظومة الأكاديمية قد أصبحت بيئة طاردة بامتياز. المنظومة هناك لا تسمح بنمو "الاستثناءات"؛ بل تقوم بخنقها في مهدها عبر آليات الإقصاء الأكاديمي والاجتماعي. إنها سردية متكررة تجعل من المؤسسة التعليمية أداة لقمع العقل بدلاً من تحريره، حيث يُستبدل "العلماء الحقيقيون" بـ "الخبراء المطيعين" الذين يباركون الجهل باسم العلم، ضماناً لعدم ثورة أحد على الظلم.

الخاتمة

إن أخطر ما يواجه المجتمعات هو "الجهل المؤسسي"؛ ذلك الجهل الذي يتم إنتاجه وحراسته داخل المعابد الأكاديمية بتزكية من الطاغوت. ولن تتحرر العقول إلا عندما ندرك أن هؤلاء الكهنة هم حراس لسجن فكري، وأن المعرفة الحقيقية تبدأ من كسر تلك التراتبية الزائفة وتحطيم مسارات التفكير المحددة سلفاً، ليعود العلم أداة للتمييز والتحرر، لا وسيلة للاستغفال والتدجين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...