أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأحد، أبريل 12، 2026

مأزق الخطاب المعماري: بين عفوية الكتابة ووصاية "المنبر" النقدي

 

جمال الهمالي اللافي

مقدمة

تشهد الساحة المعمارية الليبية حراكاً فكرياً متصاعداً، يبرز من خلاله تساؤل جوهري حول طبيعة "الكتابة المعمارية" ومن يمتلك أحقية ممارستها. هل الكتابة حكر على المؤسسات الأكاديمية والمنطلقات التنظيرية الصارمة؟ أم أنها فعل ديمقراطي متاح لكل معماري يعايش الفراغ العمراني ويستشعر هموم مجتمعه؟ تتناول هذه المقالة العلاقة الجدلية بين النص المعماري العفوي وبين محاولات "قولبة الخطاب أكاديمياً التي تسعى لتهميش الخطاب الممارس تحت ذريعة الافتقار للمنهجية، بينما تهدف في جوهرها إلى ممارسة إقصاء مهني مبني على تعالٍ نخبوي يفتقر للسند الميداني.

أولاً: الكتابة المعمارية كفعل مسؤول

لا ينطلق المعماري الممارس في كتاباته من رغبة في "اعتلاء منبر النقد" أو تزكية الذات، بل تأتي كتابته كاستجابة طبيعية لإحساس عالٍ بالمسؤولية المهنية تجاه المكان. إن الكتابة المعمارية في سياقنا المحلي هي "حالة عفوية" بامتياز؛ فهي انعكاس لمعايشة يومية لتطلعات المجتمع وإشكالياته العمرانية المعقدة.

إن هذه الكتابة لا تضع نفسها بالضرورة ضمن قوالب "نقدية" أو "تنظيرية" جامدة، لأن قضيتها الأساسية ليست نيل اعتراف أكاديمي، بل فك شفرات العلاقة بين الإنسان والمجال المعاش. ومن هنا، يصبح من التطاول المعرفي وسم هذه الجهود بأنها "ادعاء للنقد"؛ فالمفاتيح النقدية ليست هبة تمنحها الألقاب، ولا يمكن لأي وصاية فكرية أن تصادر حق المعماري في التعبير عن رؤيته لمحيطه الذي يشكله ويبنيه يومياً.

ثانياً: نماذج عالمية وعربية: حين تقود الممارسةُ الفكرَ

إن تاريخ العمارة الحديث يثبت أن أقوى الأطروحات النقدية لم تأتِ من قاعات المحاضرات المغلقة، بل من قلب الممارسة والالتحام بالواقع. ولنا في النماذج التالية خير دليل:

·         حسن فتحي (مصر) : الذي لم يكن مجرد أكاديمي، بل كان "معمارياً ممارساً" انحاز للفقراء وللخامات المحلية. كتاباته (مثل "عمارة الفقراء") لم تكن تهدف لمدح الذات الأكاديمية، بل كانت "بياناً ثورياً" ضد التغريب المعماري، وقد حاربه الأكاديميون في وقته قبل أن يصبح أيقونة عالمية.

·     جين جاكوبز (الولايات المتحدة) : التي لم تكن تحمل حتى شهادة في العمارة، لكن كتابها "موت وحياة المدن الأمريكية الكبرى" أحدث ثورة في التخطيط الحضري. لقد انتقدت الأكاديميين والمخططين "النخبويين" الذين دمروا أحياء المدن الحية بنظرياتهم المجردة، واعتمدت في نقدها على "الملاحظة العفوية" والارتباط بالشارع.

·     رفعت الجادرجي (العراق) : المعماري الممارس الذي زاوج بين المهنة والتنظير الفلسفي انطلاقاً من فهمه العميق للهوية المحلية، مؤكداً أن العمارة فعل اجتماعي قبل أن تكون ترفاً أكاديمياً.

إن هؤلاء وغيرهم أثبتوا أن "الصدق المعرفي" والخبرة الميدانية هما المصدران الحقيقيان للنقد، وأن الوصاية الأكاديمية غالباً ما تكون عائقاً أمام فهم روح المكان.

ثالثاً: فجوة "الأبراج العاجية" والارتهان للتغريب

تعاني العمارة في ليبيا من فجوة عميقة بين النخبة المنظرة في أروقتها الأكاديمية وبين الواقع المعقد في الشارع. ومن المفارقات الصارخة أن يتصدى للحديث عن "العمارة المحلية" في الندوات من يفتقرون للارتباط العضوي بجذورها، متبنين توجهات تغريبية منفصلة عن السياق الثقافي المحلي.

إن محاولات تهميش الكتابة العفوية والمشاريع التطبيقية تكرس هذه العزلة؛ فالخطاب الذي يلامس الوعي الجمعي هو الذي ينبع من الممارسة والاحتكاك المباشر بذاكرة المكان، كأزقة طرابلس القديمة ومعالمها، وليس الخطاب المتخندق خلف لغة متعالية تهدف لخدمة أجندات تنظيرية تقصي الهوية الوطنية لصالح نماذج مستوردة.

رابعاً: شرعية "المعرفة التراكمية" مقابل سلطة اللقب

إن التجربة الميدانية الممتدة لسنوات في صلب المشاريع وإدارة المدن التاريخية، تمنح المعماري شرعية "المعرفة التراكمية" التي لا يمكن للقب العلمي وحده أن يضاهيها. إن محاولات الإقصاء من منصات الحوار بدعوى عدم الاختصاص "النقدي" ما هي إلا محاولة للهروب من مواجهة الرؤى التطبيقية التي كشفت عجز النموذج الأكاديمي التقليدي عن تقديم حلول حقيقية لواقع المجتمع.

إن تحرير الخطاب المعماري يعني الاعتراف بأن الاجتهاد المبني على سنوات من البحث في الهوية المحلية والعمل في المختبر الميداني هو الأقدر على تشخيص العلة واقتراح الحل، خاصة عندما يكون هذا الاجتهاد قد صمد أمام محاولات "المحاربة الفكرية" التي تمارسها المؤسسات التقليدية ضد التوجهات المنحازة للأصالة.

خامساً: ميثاق النقد كأداة بناء لا معول هدم

إن النقد المعماري الحقيقي هو ممارسة أخلاقية قبل أن يكون أدوات منهجية. ولارتقاء المهنة، يجب أن يستند النقد إلى:

1.   النزاهة الموضوعية:  بحيث لا يتحول "النقد" إلى قناع لتصحيح مواقف شخصية أو محاولة استباقية لإقصاء أصحاب الرؤى الميدانية المنافسة.

2.      المصداقية العلمية : التي تعترف بالخبرة التطبيقية كمصدر أصيل للمعرفة، وتتوقف عن محاولة تقزيم الجهود الجادة بدوافع الغيرة المهنية.

3.   التوجيه البناء : الدور الحقيقي للناقد هو الارتقاء بالوعي العام والاحتفاء بالاجتهاد، بهدف تصحيح المسار المعماري الوطني وتطوير جودة البيئة المبنية.

خاتمة

تكمن القيمة الحقيقية لأي نص معماري في قدرته على إثارة الأسئلة وتغيير الواقع، لا في انضباطه الشكلي لقواعد أكاديمية منفصلة عن روح الإنسان والمكان. إن محاولات الإقصاء التي يمارسها بعض الأكاديميين تجاه المعماريين الممارسين هي انعكاس لأزمة أعمق تفتك بالمجتمع الليبي في كافة مجالاته. إن الميدان هو الحكم، وسيبقى النقد المتعالي صوتاً معزولاً، بينما تظل الكتابة الصادقة والمشاريع المرتبطة بالهوية هي الأثر الحي الذي لا تملك أي وصاية القدرة على محوه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...