أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الخميس، أبريل 23، 2026

أزمة الهوية في العمارة الليبية: بين جدلية الإنكار وضرورة الحفظ

 

جمال الهمالي اللافي

تعاني العمارة الليبية المحلية من معضلة حقيقية تتمثل في غياب الوعي المجتمعي بقيمتها، وطغيان ثقافة "الإنكار" التي تنسب كل ملمح جمالي أو معماري في ليبيا إلى تأثيرات خارجية. في ظل غياب إعلام توعوي فعال وحضور كاسح لثقافات مستوردة، تتلاشى ملامح الهوية المعمارية الليبية تدريجياً، مما يستدعي وقفة جادة للحفظ والتوثيق.

1.      عقدة النقص وإنكار العمارة المحلية

يطرح الكثيرون سؤالاً يحمل في طياته إجابة سلبية: "هل توجد عمارة ليبية أصيلة؟". هذا التساؤل المبطن بالنفي يتجاهل حقيقة أن كل عمارة في حوض البحر المتوسط هي نتاج تفاعل وتراكم حضاري. في الوقت الذي تعتز فيه شعوب المتوسط (مثل تونس، اليونان، المغرب، ومالطا) بعمارتها وتعتبرها أصيلة - رغم تشابه المفردات كالأقبية، والقباب، والطلاء الأزرق والأبيض، وأعمال القيشاني، والأبراج الخشبية - نجد أن المجتمع الليبي يميل إلى إقصاء محليته ونسبتها كلياً للمستعمر الإيطالي أو غيره، متجاهلين أن الخبرات المحلية هي من صقلت هذه التأثيرات وأعادت صياغتها لتناسب البيئة الليبية.

2.      أسباب تغييب الهوية المعمارية

يمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى هذا التهميش في النقاط التالية:

  • الفهم الخاطئ للتحضر: أدت النقلة الاقتصادية واكتشاف النفط إلى الرغبة في التخلص من القديم بدعوى الحداثة والرفاهية. تم التخلي عن "البيت العربي" بتفاصيله البيئية والاجتماعية (مثل فناء "شمس وقمر") لصالح أنماط لا تمت للبيئة بصلة.
  • استيراد الهويات: التفاخر باقتباس تقاليد الآخرين المعمارية والثقافية (مثل المخططات السكنية الخليجية أو الواجهات المستوردة)، مما يعكس حالة من التنصل من الثقافة الوطنية، وهو بمثابة "مرض مزمن" يهدد الهوية.
  • الخلط بين الأصالة والاستعمار: صعوبة فصل بعض الأفراد بين العمارة المحلية لفترة ما قبل الاستعمار، وبين التأثيرات المتوسطية التي تفاعلت معها المدينة الليبية بشكل طبيعي عبر قرون.

3.      نحو رؤية للإنقاذ: خطوات عملية للحفاظ على الموروث

لم يعد النقاش الأكاديمي أو الجدال مع المشككين مجدياً في ظل تداعي المباني التاريخية. المرحلة تتطلب انتقالاً نحو العمل المؤسسي والقانوني المنظم، من خلال:

  1. تأسيس إدارة الموروث المعماري : إنشاء أقسام متخصصة في كل بلدية ضمن إدارة التخطيط العمراني، تتمتع بسلطات مستقلة لحماية ورعاية المباني التاريخية.
  2. التصنيف والتوثيق: حصر كافة المباني التاريخية بمختلف مكوناتها (الطرابلسية، الجبلية، الصحراوية، بتراكماتها الأمازيغية، الفينيقية، الرومانية، العثمانية، والإيطالية) وتصنيفها إلى درجات حسب الأهمية والقيمة التاريخية. 
  3. التشريعات الرادعة: استصدار قرارات سيادية تمنع المساس بأي مبنى مسجل تاريخياً، حتى من قبل مالكيه، وتصنيف التعدي عليها كـ "جريمة" يعاقب عليها القانون (جنائي وليس مدني)، على غرار القوانين المتبعة في بريطانيا والدول المتقدمة.
  4. دعم مؤسسات المجتمع المدني: تكاتف الجهود الأهلية مع المعماريين، وعلماء الآثار، والتاريخ، لدعم جهود الحفاظ على الموروث في ظل تعثر مؤسسات الدولة.

خاتمة

إن العالم يعتز في كثير من الأحيان بما لا يملك، والأولى بنا أن نعتز بما نملك، ونحافظ عليه، ونستلهم منه لتأسيس عمارة ليبية معاصرة. فالمجتمع الذي يفقد ماضيه وشواهده العمرانية، يفقد بوصلته نحو الحاضر والمستقبل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...