أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، أبريل 27، 2026

نبراس العمارة الليبية: تأملات في التأصيل والممارسة

جمال الهمالي اللافي

    في الممارسة المعمارية، لا ينفصل الموقف المهني عن المسؤولية الأخلاقية؛ فالعمارة في جوهرها هي التجسيد المادي لمنظومة قيمية مشتركة. من هذا المنطلق، كان حرصي دائماً على مد جسور التواصل مع كافة الأطياف المهنية، انطلاقاً من إيمانٍ بضرورة التوافق في الرؤية والنزاهة في التعامل. ورغم ما قد يكتنف المحيط المهني أحياناً من تباين في وجهات النظر، إلا أنني آليتُ على نفسي أن يظل قلبي وبابي مشرعين لكل طالب علم أو شريك تعاون، طالما استند هذا التواصل إلى الكفاءة والموهبة والحرص على رفعة المهنة، بعيداً عن أنصاف المواهب والممارسات العابرة.

    إن تجربتي المعمارية لم تكتفِ يوماً بحدود الدور التقليدي للمكتب الهندسي؛ بل كانت سعياً دؤوباً لتحويل العمارة إلى "فعل ثقافي" شامل. لقد تجسد هذا السعي بوضوح في أغسطس 2004، حين تأسست "المدرسة الليبية للعمارة والفنون" كاستجابةٍ لضرورة تطوير مفاهيم الممارسة المعمارية في ليبيا. بفضل هذه المبادرة، انطلقت الحركة المعمارية نحو آفاق الحراك المجتمعي الواسع؛ من تنظيم دورات تخصصية، وإقامة معارض فنية، وزيارة المدن التاريخية وتوثيق معالمها، ونشر المعرفة عبر الملتقيات والمجلات الفكرية. لقد ساهم هذا الحراك في تنشيط الوعي المعماري في أزقة المدينة القديمة وخارجها، مكرساً لمفهوم "المعمار المثقف" الذي يتجاوز دوره البناء المادي ليصبح شريكاً فاعلاً في صياغة الوعي الحضري والجمعي.

    لقد صمدت هذه التجربة أمام اختبار الزمن والتحولات، ولم تفقد بوصلتها رغم قصر عمرها الزمني (2004-2008)، بل امتد أثرها المعرفي من مغرب الوطن إلى مشرقه وجنوبه، وتجاوز الحدود عبر منصات التواصل ومدونتي "الميراث"، لتكون صوتاً معمارياً ليبياً يشارك بفعالية في الفضاء العربي. واليوم، وبعد عقدين من تلك الانطلاقة، أجدني مدفوعاً بمسؤولية مهنية لمواصلة العمل على مشروع "التأصيل للعمارة الليبية المعاصرة"؛ ممارسةً وتنظيراً، للمساهمة في سد الثغرات المعرفية التي تحول دون استيعاب حتمية الهوية في عمارة اليوم.

    إن التأصيل الذي ننشده ليس مجرد عودة عاطفية للماضي، بل هو "استلهام واعي" للمرجعيات المحلية بتنوعها البيئي والثقافي، وإعادة تقديمها بلغة معاصرة تلبي تطلعات الإنسان المعنوية والمادية. وفي ظل التحولات التقنية المتسارعة، وما يوفره الذكاء الاصطناعي من أدوات إبهار بصري متطورة، يظل من المهم التأكيد على أن التقنية تظل وسيلة لخدمة المعنى وليست غاية في حد ذاتها. إن هدفنا هو تقديم مشاريع توازن بذكاء بين الإبهار التقني كأداة وبين العمق الفكري كجوهر أصيل.

    وتظل المفارقة الأهم في مسيرة "المدرسة الليبية"، أنها زاولت نشاطها المعماري والميداني طيلة سنواتها الأربع دون اعتمادٍ رسمي من نقابة المهندسين، محققةً أثراً تجاوز الكيانات القائمة. وفي العام 2006، وتتويجاً لهذا الجهد الجماعي، بادرنا بتأسيس "الجمعية الليبية لإحياء التراث الثقافي" من مقر المكتب، لتكون الذراع العلمي لجميع أنشطتها المعتمد (بموجب قرار مدير مكتب البحث والتطوير رقم 155 لسنة 2006، والمسجلة تحت رقم 74). ومع محاولة مأسسة المدرسة نقابياً في العام 2008، وعبر استئمان أحد الأكاديميين- الذي لم يكن له أي دور في تاسيسها- لغرض استكمال إجراءات الاعتماد، وقع الانهيار الإداري للمدرسة، لكن الجمعية ظلت صامدةً لتكمل المشوار. إننا اليوم نستأنف رحلة التأصيل بتأنٍّ وانتقائية، مستندين إلى خبرة صقلتها العقود، لتظل الممارسة المعمارية نبراساً تستلهم منه الأجيال، وبرهاناً ساطعاً على أن العمارة في ليبيا قادرة دوماً على صياغة مستقبلها من واقع أصالتها وجذورها الراسخة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...