أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، أبريل 07، 2026

الاستثمار في الإنسان: الكرامة الوطنية قبل العوائد السياحية

 

جمال الهمالي اللافي

في ظل التحولات العالمية المتسارعة، وتصاعد التخوفات المشروعة من نضوب النفط أو الاستغناء عنه كمورد أساسي للطاقة، برزت في الآونة الأخيرة دعوات ملحة للبحث عن موارد اقتصادية بديلة. وفي مقدمة هذه الدعوات، يبرز التوجه نحو النشاط السياحي كخيار جاهز وسريع. ومع تفاقم الأوضاع الراهنة التي تعيشها ليبيا، والتي قد لا تتيح حالياً مجالات رحبة للتنشيط السياحي التقليدي، يفتح أمامنا باباً لمناقشة هذا الأمر بموضوعية تامة؛ بعيداً عن العواطف التي قد تُستغل لتمرير أنماط مستهجنة من النشاط السياحي الذي يتعارض مع شريعتنا السمحاء، وقيمنا الاجتماعية، وكرامة الفرد الليبي. إننا هنا بصدد المفاضلة بين نموذجين: الاستثمار في "الخدمة" والاستثمار في "السيادة".

يقف العالم اليوم أمام نماذج تنموية مختلفة، بعضها يضع "الإنسان" في المركز، وبعضها الآخر يضع "الربح السريع" كغاية تبرر كل الوسائل. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى الاستثمار السياحي بشكله الاستهلاكي مقابل الاستثمار الثقافي والمجتمعي.

وهم السياحة الاستهلاكية واغتراب الكرامة

إن تحويل قطاع السياحة إلى المورد الأول والوحيد لاقتصاد أي دولة، غالباً ما يحمل في طياته تنازلات قاسية تمس جوهر السيادة الوطنية. ففي النموذج السياحي الاستهلاكي، الذي تنتهجه بعض الدول كحل سهل للأزمات الاقتصادية، يتحول الوطن في الوعي الجمعي إلى مجرد "منتجع" أو "سلعة"، ويصبح المواطن مسخراً لرضا الزائر الذي يمتلك القوة الشرائية.

هذا التوجه، في أعمق مستوياته، يخلق حالة من التبعية النفسية؛ حيث يُستباح القيمي، وتُطمس الهوية، وتُسخر المقدرات لخدمة الغاية المادية، مما يجعل "الغاية تبرر الوسيلة" على حساب كرامة الفرد. إنها سياسة تجعل من المواطن "خادماً لطلب السائح" بدلاً من أن يكون "صانعاً لحضارته"، وهو ما يؤدي في النهاية إلى انتفاخ الجيوب مقابل تفريغ القيمة الإنسانية، والوقوع في فخ "سياحة النزوات" التي تمتهن الجسد والروح.

الاستثمار الثقافي: مشروع الأحرار وبناء الدولة القوية

في المقابل، يقف الاستثمار في المجتمع والثقافة كخيار أصيل للأمم التي تنشد السيادة الحقيقية. هذا النوع من الاستثمار لا ينظر للثقافة كرفاهية، بل كبنية تحتية للعقل والوجدان، ويرتكز على:

1.   بناء الإنسان (المواطن): الارتقاء الجذري بالتعليم في كافة مراحله، والاهتمام بالصحة الجسمية والعقلية والنفسية، ليكون المواطن هو القوة الدافعة للنهضة وليس مجرد مستهلك أو مقدم خدمة.

2.   البنية التحتية الخدمية: توفير وسائل المواصلات، الاتصالات، الطاقة، والمرافق العامة التي تيسر حياة المواطن أولاً. عندما تتحول حياة المواطن إلى "جنة نعيم" مستوفية الشروط، تصبح الدولة تلقائياً مكاناً يسعى الجميع لزيارته باحترام.

3.   السيادة الاقتصادية: بناء المؤسسات الصناعية الكبرى والصغرى وتوطين الأبحاث العلمية، بحيث تكون السياحة نشاطاً فرعياً ناتجاً عن "الفائض الحضاري" لا مورداً اضطرارياً للعيش.

ليبيا.. النموذج الحضاري المنشود

الرؤية الحقيقية للنهضة في ليبيا يجب أن تضع "الإنسان الليبي" كأولوية مطلقة. إذا تحرك المواطن في بلاده ولم يرَ إلا ما يسعده ويوفر له الراحة، فإن الزائر سيجد بالتبعية ما يبحث عنه من اختلاف وثراء حضاري. هنا، يضطر السائح لاحترام قيم المجتمع وأخلاقياته أينما حل، لأن الحضارة التي يراها قائمة عمادها الأخلاق والفضيلة، وليست قائمة على "الاستباحة" من أجل الدولار.

نماذج عالمية: السياحة كنتيجة وليست غاية

تثبت تجارب الدول المتقدمة أن السياحة الراقية هي "تحصيل حاصل" للتقدم العلمي والازدهار الاقتصادي، مع تباين في مدى تحصينها الأخلاقي:

·     النموذج السويدي والنرويجي (تجريم الشراء لا البيع): تبنت هذه الدول فلسفة قانونية فريدة تهدف لحماية كرامة المواطن وتجفيف منابع الاستغلال. فبدلاً من ملاحقة الضحايا، يجرّم القانون "المشتري" الذي يحاول استغلال حاجة الآخرين بماله. الغاية السامية من هذا التفريع القانوني هي إرسال رسالة مفادها أن "جسد المواطن ليس سلعة"، وأن الغنى لا يمنح الحق في استباحة كرامة الفقير. هذا النموذج يحصّن الدولة من "سياحة النزوات" ويجذب فقط من يحترم قدسية الإنسان.

·     بوتان وسويسرا: نماذج للسياحة "التخصصية". بوتان تفرض قيوداً صارمة جداً لمنع التلوث الثقافي والابتذال السلوكي، بينما سويسرا تعتمد على تفوق إنسانها الطبي والإداري لجذب سياحة نوعية (علاجية) قائمة على الاحترام المهني.

·     أوزبكستان وكوريا الجنوبية: دول استثمرت في جذورها الثقافية وقدراتها التكنولوجية، ففرضت احترامها على العالم، وتسعى دوماً لمكافحة أي مظاهر سياحية مبتذلة قد تشوه مشروعها الحضاري.

مراجعة نقدية لواقعية التغيير

لضمان صرامة هذا الطرح، يجب الاعتراف بأن التحول من "واقع التبعية" إلى "جنة الاستثمار الثقافي" يتطلب:

·     إرادة وطنية وقيمية: ترفض الابتذال الأخلاقي وتعتبر أن أي نمو اقتصادي يقوم على امتهان كرامة الفرد (كبيوت الدعارة أو تجارة الرقيق الأبيض) هو فشل حضاري وليس نجاحاً استثمارياً.

·     تحويل الضيافة إلى احتراف: التمييز بين "التبعية للسائح" وبين "صناعة الضيافة المحترفة" التي يقدمها المواطن الحر المعتز بثقافته، والمحمي بقوانين دولة قوية تمنع استغلال حاجته وتجرّم من يحاول شراء كرامته.

·     التمويل الذكي: استخدام الموارد الطبيعية والمتاحة لبناء القوة العلمية والصناعية، بدلاً من إهدارها في مشاريع سياحية شكلية تفتقر للعمق الإنساني.

خلاصة القول: الاستثمار في الثقافة هو بناء مشروع حضاري متكامل. عندما نبني الإنسان ونوفر له أرقى الخدمات، نتحول إلى أمة تفرض احترامها على الزائر؛ فيجد الحفاوة والترحيب إذا التزم بقيمنا، وإلا فلا أهلاً ولا سهلاً به. النهضة تبدأ من الداخل، والسياحة الحقيقية هي التي تأتي لتشاهد نجاحنا، لا لتستغل فقرنا أو تتاجر بكرامتنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...