أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، أبريل 20، 2026

بين وهم التكلفة وعقدة العمالة: هل عمارة "الهوية" مستحيلة في ليبيا؟


جمال الهمالي اللافي

كثيراً ما تتردد خلف كواليس النقاشات المعمارية جملة أصبحت بمثابة "الفزاعة" التي تنفّر الناس من اعتماد النمط المحلي في بنائهم: "هذا النوع من العمارة مكلف جداً، ويحتاج لعمالة مغربية أو تونسية غير متوفرة لدينا!"

اليوم، أود أن نضع هذه "الافتراءات" تحت مجهر الواقع والخبرة الميدانية، لنكشف حقيقة الأمر بعيداً عن التعقيدات المفتعلة.

1. كذبة "العمالة النادرة"

من الشائع الاعتقاد بأن الأقواس، والقباب، وتفاصيل العمارة المحلية تتطلب أيدٍ عاملة تُستجلب من وراء الحدود. الحقيقة التي أراها وأشرف عليها يومياً هي أن هذه التصاميم تُنفذ في ليبيا، بأيدي العمالة المتوفرة في سوقنا المحلي.

المسألة ليست في ندرة العمالة، بل في "رؤية المصمم" وقدرته على تبسيط التفاصيل وتقديم مخططات واضحة وقابلة للتنفيذ. عندما يمتلك المعماري الشجاعة للإشراف المباشر، يكتشف أن الفني الموجود في ورشاتنا قادر على الإبداع إذا ما وُجد التوجيه الصحيح.

2. فخ "التكلفة العالية" والخرسانة الضائعة

يتهم البعض هذا النمط بأنه حكر على "النخبة" أو أصحاب الثروات الطائلة. والواقع يقول العكس تماماً:

·     الهيكل الإنشائي: العمارة المحلية تعتمد على فلسفة "الضرورة"؛ فهي لا تستهلك كميات خرسانية ضخمة في "شطحات" إنشائية لا تخدم الوظيفة، كما يحدث في بعض نماذج الحداثة المشوهة التي تُهدر الموارد في بروزات معقدة ومكلفة.

·     التشطيب: أسعار التشطيب تحكمها "جودة المواد" المختارة من السوق، وهي قاعدة تنطبق على أي طراز معماري. الفرق هنا هو أن القيمة الجمالية في الطراز المحلي تنبع من "النسب الهندسية" وتلاعب "الظل والنور"، وليس من غلاء المادة المستخدمة.

3. عمارة لا تعرف "الفساد" ولا "أمراء الحرب"

من الظلم ربط الجمال المعماري بالتحولات السياسية أو الثروات المشبوهة. بيت "شارع الظل" -على سبيل المثال- بُني قبل أحداث عام 2011 بسنوات، وهو دليل مادي على أن هذا النمط كان ولا يزال خياراً متاحاً للمواطن الذي يبحث عن السكينة والأصالة، بعيداً عن أي سياقات أخرى.

عمارة الهوية هي عمارة "الاستقرار" و"البيت الذي يبقى"، وليست عمارة "الاستعراض" اللحظي.

خاتمة: دعوة للتحرر من العُقد

إن محاولة تصوير العمارة المحلية كأمر "مُعجز" أو "مكلف" هي في الحقيقة محاولة غير واعية (أو ربما واعية) لتغريب ذائقتنا وحرماننا من حقنا في السكن داخل مساحات تشبهنا وتفهم مناخنا وتاريخنا.

العمارة المحلية هي الحل الأكثر "اقتصاداً" و"واقعية" إذا ما نُزعت عنها هالة التعقيد المفتعلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...