تحدي الهوية، الانتماء، وإعادة صياغة المسكن

من أعمال الفنانة التشكيلية عفاف الصومالي
جمال الهمالي اللافي
مقدمة:
كسر النمطية والمادية الآنية
جرت
العادة عند طرح أي مسابقة معمارية أن يتدافع المعماريون للمشاركة فيها طمعاً في
الكسب المادي المباشر ثم المعنوي. لقد صار تقييم المسابقات يقاس بقيمة الجوائز
الممنوحة؛ ولسان حال الكثيرين يقول: "لا لمسابقة لن يأتي من ورائها مكسب مادي".
ولكن..
سيختلف الأمر جذرياً هذه المرة. نحن أمام "تحدٍ" وطني يكسر صنمية
المادية المفرطة؛ تحدٍ لا يحمل جوائز مالية فورية، بل يقدم ما هو أبعد: مكسباً معنوياً وطنياً،
واستثماراً مادياً مؤجلاً يعيد
صياغة العمارة كرسالة أخلاقية قبل أن تكون مهنة تجارية.
رؤية
المسابقة: استعادة الهوية المفقودة
تطرح هذه
المسابقة فكرة استثنائية وجامعة: دعوة كل معماري ليعرض اجتهاده في صياغة "بيت
ليبي معاصر". هذه الدعوة لا تقتصر على التصاميم الجديدة، بل تفتح الباب
للمعماري المحترف ليقدم مشروعاً جاهزاً من مساره المهني
(كنوز الأدراج التي لم تخرج للنور)، أو يباشر بتصميم مشروع جديد تفاعلاً مع هذه
المبادرة. إنها محاولة لانتشال "البيت" من غيبوبة النمط التجاري، والبحث
عن هوية ضاعت في زحمة التكرار العشوائي.
فلسفة
التحدي: التحرر من القيود كأداة للإبداع
تكمن قوة
هذه المسابقة في تحررها من القيود التقليدية (الموقع، المساحة، النمط)، لفتح آفاق
الإبداع العضوي المرتبط بالأرض والاحتياج:
1. الشمولية الجغرافية والتنوع البيئي: تتوزع
المسابقة على البيئات الأربعة (الساحلية، الريفية، الجبلية، والصحراوية). الهدف هو
أن يرى كل مكون من مكونات المجتمع نفسه في هذه المسابقة، مما يحفز المعماري على
تقديم حلول تحترم خصوصية كل جغرافيا ليبية.
2. الحافز المادي (نموذج الكسب المؤجل): غياب
الجوائز النقدية هو دعوة لبناء "سمعة مهنية" مرتبطة بالقيم. رضا الجمهور
عن مقترحات المعماري يمثل استطلاعاً حياً للسوق، وبناءً لقاعدة ثقة تجلب له مشاريع
مستقبلية في تلك المناطق؛ فقبول المجتمع لمنهجه هو الجائزة الكبرى المستدامة.
3. التحرر من ضيق المساحة: للمعماري
الحق في طرح رؤيته ضمن أضيق المساحات بذكاء وظيفي، أو في مساحات أوسع تستوعب
الوظائف الاجتماعية (المرئية وغير المرئية) للمجتمع الليبي، وارتباطها الوثيق
بعناصر التأثيث والمجال الحركي المفقود في التصاميم الجاهزة.
- المهرجان المعماري المتعدد: يحق للمتسابق المشاركة بمشروع واحد إلى أربعة مشاريع،
شريطة أن يمثل كل مشروع منها بيئة جغرافية مختلفة؛ مما يبرز قدرة المعماري
على تطويع أدواته لخدمة الهوية في سياقات بيئية متنوعة.
لجنة
التحكيم: دمقرطة الاختيار (المواطن هو الحكم)
التحكيم
هنا يخرج من الغرف المغلقة إلى الفضاء العام. لجنة التحكيم هي المواطن
الليبي بكافة أطيافه، بمشاركة أهل الاختصاص. هذا التوجه يهدف لرفع
الوعي العمراني لدى المواطن وجعله شريكاً في اختيار المسكن الذي يمثله، مما يمنح
المعماري "شهادة نجاح مجتمعية" هي الضمانة الحقيقية لمستقبله المهني.
الإطار
الزمني والتنفيذي
·
فترة
التجهيز: ثلاثة
أشهر كافية لتجهيز أو تعديل المشاريع.
· الجهة الراعية: المبادرة
مطروحة للتفاعل العام؛ والباب مفتوح أمام المؤسسات الوطنية، الجامعات، أو النقابات
المهنية التي تجد في نفسها الكفاءة لتبني هذا المشروع التصحيحي واستضافته.
·
المواعيد
والترتيبات التنظيمية: ستتحدد
بناءً على تفاعل ومبادرة الجهة التي ستعلن تبنيها لهذا المهرجان المعماري الوطني.
تساؤل
ختامي
هل الموضوع يستحق؟ الأمر
متروك لقناعة الجميع بجدوى ترميم العلاقة المقطوعة بين المعماري والمواطن والأرض،
وبقدرتنا على صياغة "بيت" يحترم خصوصيتنا ويواكب عصرنا بعيداً عن حسابات
الربح اللحظي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق