أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

السبت، أبريل 04، 2026

جدلية الجمال والخراب: قراءة في انكسار الذائقة العمرانية الليبية

 

الحوش السماوي بمدينة طرابلس القديمة

جمال الهمالي اللافي

1.      التماهي مع القبح: حين يغترب المعيار الجمالي في الوجدان الليبي

إن تحول الأنماط البصرية المشوهة إلى واقع مقبول في مدننا بمرور الزمن ليس مجرد تآلف عابر، بل هو حالة من "التطبيع البصري" التي بلغت في الحالة الليبية درجة رفض المفاهيم الجمالية الأصيلة. لقد تعرضت "المسطرة الجمالية" الجمعية لعملية تعرية نتيجة عقود من العيش وسط كتل خرسانية صماء تفتقر لروح المكان وتناسبه، حتى أضحى الشارع الليبي يستهجن كل ما يخرج عن هذا السياق المشوه المألوف. أما ما يُطرح اليوم كبدائل جمالية في بعض المحاولات الحديثة داخل البلاد، فهو في الغالب جمال "مستورد" بقيم غريبة تتصادم مع الفطرة السوية وأصالة الموروث الليبي، مما يجعلها إضافة مشوهة لروح المكان لا إنقاذاً له.

2.      المسخ البنيوي: تآكل الهوية المعمارية الوطنية

إن تدني معايير الجمال في البيئة الليبية ليس عجزاً فطرياً لدى الإنسان الليبي، بل هو نتيجة لظروف قاهرة أدت إلى تعطيل الوعي الجمالي وتغييب القيمة الفنية. ويمكن رصد هذا الانكسار عبر محورين أساسيين:

·     اندثار الحرفة واليد الليبية الصانعة:  لقد تسببت التحولات الإدارية والتشريعية المتلاحقة في سحق الحرف الفنية والمهارات اليدوية التي كانت تشكل جوهر العمران المحلي من نقوش وبناء بالحجر ومواد البيئة. وبسبب تغييب "الأيدي الليبية" التي كانت تبني بوعي وفطرة، تحول الفعل المعماري في مدننا من "عمل إبداعي" إلى "عملية آلية" تدار بقرارات تفتقر للحس الفني، مما أنتج بيئة فاقدة للهوية والروح.

·     إقصاء المعايير المهنية:  إن تهميش الممارسات المهنية الرصينة والتضييق على المبدعين الليبيين الذين حاولوا التمسك بأصالة الذائقة، سمح للرداءة بأن تتصدر المشهد كبديل وحيد، مما أدى إلى إفساد الذوق العام وفرض أنماط لا تنتمي للتاريخ الليبي أو لبيئته الجغرافية المتنوعة.

3.      القطيعة مع الذاكرة: الفطرة في مواجهة الأنماط المفروضة

كان الجمال العمراني الليبي (كما يتجلى في أزقة طرابلس القديمة، ودروب غدامس المسقوفة، ومعالم المدن الجبلية وسهول الأرياف الليبية) نتاج وعي مجتمعي تشاركي وتراكمي، نابع من فطرة الإنسان وعلاقته بالأرض. إلا أن التدخلات "المؤسساتية" الموجهة وقوانين البناء القاصرة أدت إلى صياغة الحواضر الليبية بشكل قسري بعيد عن الوجدان الشعبي. لقد فُرضت أنماط عمرانية جافة عبر مناهج تعليمية وأطر إعلامية ساهمت في تخريب الذائقة، مما أحدث قطيعة معرفية وجمالية بين الأجيال الليبية المعاصرة وماضيها المعماري العريق.

4.      شمولية التشويه: من المكان إلى السلوك المجتمعي

إن هذا الخلل البصري لم يتوقف عند حدود الجدران، بل انعكس على الأخلاق العامة والسلوك في الشارع الليبي؛ فالبيئة العشوائية المشوهة هي المرآة التي تعكس انكسار الوعي الجمعي. ومن الصعب استعادة التوازن السلوكي والارتقاء بالفنون والصناعات في محيط مادي ينضح بالقبح والإهمال. هذا الارتباط الحتمي بين فساد البيئة المبنية وفساد الذائقة السلوكية هو النتيجة المنطقية لتغييب قيم الأصالة والفطرة السوية التي عُرف بها المجتمع الليبي قديماً.

5.      واقع الاستعصاء: تحديات الاستعادة الجمالية في ليبيا

إن الواقع العمراني الراهن في ليبيا لا يمثل انفصالاً عن إرث التشوه السابق، بل يبدو في كثير من جوانبه امتداداً له وتعميقاً لآثاره. فاستشراء العشوائيات والانهيار في المعايير التنظيمية والفنية يبتلع اليوم أي محاولة فردية للإصلاح الجمالي. إننا لا نواجه مجرد نقص في الوعي، بل نواجه حالة من "الانسداد الجمالي" حيث تترسخ الرداءة كبنية ثابتة تُقصي الجمال وتطارد أصحابه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...