جمال الهمالي اللافي
خلال
سنوات دراستي الجامعية تعلمت كثيراً مما يفترض أن يتعلمه طالب العمارة، لكنني بعد
دخولي إلى الحياة المهنية اكتشفت أن بين ما يُدرَّس في قاعات الدراسة وما يواجهه
المعماري في الواقع مسافة واسعة. كانت سنوات طويلة من التعليم والحفظ والامتحانات،
غير أن كثيراً من الأسئلة الحقيقية التي تفرضها الممارسة اليومية لم أجد لها
جواباً فيما تعلمته. ولم يكن ذلك مقتصراً على العمارة وحدها، بل هو حال كثير من
التخصصات التي يتخرج أصحابها وهم يحملون قدراً كبيراً من المعلومات، وقدراً أقل من
الفهم، وقدراً أقل من ذلك من الخبرة.
كنت أظن
أن ما لم أجده في الجامعة سأجده عند من سبقوني في المهنة، وأن سنوات العمر التي
أنفقوها في التجربة والخطأ والنجاح والإخفاق ستتحول إلى ميراث يتناقله القادمون
الجدد. لكنني فوجئت بأن كثيراً من أصحاب الخبرة قد أحاطوا أنفسهم بجدران تحول دون
الاقتراب منهم. لم تكن الخبرة غائبة، بل كان الوصول إليها هو الغائب. وكأن كل جيل
مطالب بأن يبدأ رحلته من الصفر، وأن يكرر أخطاء من سبقوه قبل أن يصل إلى ما وصلوا
إليه.
ومن رحم
هذه المعاناة وُلدت قناعتي بأن من أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمجتمعه ليس
المال ولا الممتلكات، بل الخبرة المتراكمة التي اختصر بها سنوات من عمره. ومن هنا
جاءت تجربتي في فتح الباب أمام الخريجين الجدد من خلال المدرسة الليبية للعمارة
والفنون(2004-2008)، ليس بوصفها دورة تدريبية بالمعنى المتعارف عليه، وإنما بوصفها
محاولة لتوريث الخبرة، وإتاحة الفرصة لمن يأتي بعدنا حتى لا يضطر إلى إعادة السير
في الطرق الوعرة نفسها التي سرنا فيها من قبل.
غير أن
توريث الخبرة لا يعني مجرد نقل المعلومات. فالمعلومات وحدها متوافرة في الكتب
والجامعات والمواقع الإلكترونية. وما يعاني منه كثير من الناس اليوم ليس نقص
المعلومات، بل كثرتها واختلاط صحيحها بسقيمها. فقد يقضي الطالب سنوات طويلة
متنقلاً بين مراحل التعليم المختلفة، ثم يكتشف أن ما تلقاه كان في معظمه معارف
نظرية مجردة لا تسندها تجربة عملية حقيقية، وأن كثيراً مما ظنه حقائق راسخة يحتاج
إلى مراجعة وتمحيص حين يصطدم بالواقع.
ولا يقف
الأمر عند هذا الحد، فبعض الدورات التدريبية التي يُفترض أن تعالج هذا النقص وقعت
في المشكلة نفسها. إذ تحولت أحياناً إلى عروض تسويقية أو جرعات سريعة من المعلومات
المتفرقة التي توهم المتلقي بأنه تعلم، بينما هو لم يكتسب ملكة، ولم يبن فهماً،
ولم يقترب من جوهر المهنة. وقد خضت بنفسي عدداً من الدورات في مجالات متنوعة، من
برامج الرسم المعماري إلى التخطيط الاستراتيجي، فوجدت في بعضها معلومات متناثرة لا
تكفي لبناء معرفة راسخة ولا لصناعة مهارة حقيقية. وهذا في نظري ليس تعليماً
بالمعنى الكامل، لأن التعليم لا يقاس بما قيل في القاعة، بل بما ترسخ في عقل
المتعلم وتحول إلى قدرة على الفهم والممارسة.
ولهذا
فإن مسؤولية من يورثون الخبرة أكبر من مجرد إعادة ما تعلموه أو تكرار ما حفظوه.
فليس المطلوب أن ننقل للناس ما ورثناه من أخطاء، ولا أن نضيف ضجيجاً جديداً إلى
ضجيج قائم أصلاً، وإنما أن نصحح ما وجدناه ناقصاً، وأن نراجع ما ثبت بطلانه، وأن
نربط المعرفة بالواقع، وأن نقدم للمتعلم ما يعينه على الفهم قبل الحفظ، وعلى
التمييز قبل التقليد.
إن
المجتمع الذي لا يورث أبناءه الخبرة محكوم عليه بأن يعيد البدايات في كل جيل.
والحضارات لم تُشيد لأن كل جيل بدأ من الصفر، بل لأنها نجحت في نقل ما تراكم لديها
من علم وتجربة وفهم إلى من أتى بعدها. وكل خبرة تموت بموت صاحبها هي خسارة تتجاوز
الفرد إلى المجتمع بأسره.
غير أن
المسألة في نظر المسلم لا تقف عند حدود المنفعة الاجتماعية أو التقدم الحضاري.
فالعلم الذي بين أيدينا ليس من صنعنا الخالص، بل هو فضل من الله يسّر أسبابه وهيأ
لنا طريقه وسخر لنا من يعلمنا ويقودنا إليه. وما دام الأمر كذلك، فإن السؤال لا
يقتصر على ماذا فعلنا بعلمنا في الدنيا، بل يمتد إلى ماذا سنقول حين نسأل عنه بين
يدي الله.
فما قيمة
الخبرة إذا تحولت إلى وسيلة للاحتكار؟ وما قيمة المعرفة إذا مُنع عنها طالبها
الصادق لأنه لا يملك القدرة على دفع ثمن الوصول إليها؟ وما قيمة العمر الذي
أمضيناه في جمع العلم إذا انتهى أثره بانتهاء حياتنا؟
إن من حق
الإنسان أن يتكسب من مهنته وخبرته وعمله، ولا خلاف في ذلك. لكن يبقى هناك باب آخر
لا يفتحه إلا من أدرك أن المال ليس كل شيء، وأن ما يدخره الإنسان عند الله أبقى
مما يدخره في حساباته. ذلك الباب هو أن يجعل من علمه وخبرته سبيلاً لإعانة
الآخرين، وأن يختصر عليهم سنوات من الضياع والحيرة، وأن يفتح لهم أبواب الرزق
الحلال، وأن يعلمهم ما ينفعهم حقيقة لا ما يوهمهم بالمعرفة.
ففي
عقيدتنا الإسلامية لا ينقطع الأمر عند حدود الموت. هناك حساب وجزاء، وهناك صحائف
تبقى مفتوحة بما تركه الإنسان وراءه من خير أو شر. ومن أعظم ما يبقى بعد رحيل
المرء علماً نافعاً انتفع به الناس من بعده. أما العلم الذي كُتم، أو فُرِّغ من مضمونه،
أو استُخدم لإيهام الناس بأنهم تعلموا وهم لم يتعلموا، فذلك باب آخر يسأل صاحبه
عنه أيضاً.
ولهذا
فإنني كلما تقدمت بي السن ازددت اقتناعاً بأن السؤال الأهم ليس: كم كسبنا من
خبراتنا؟ بل: ماذا تركنا منها وراءنا؟ وكم إنساناً أصبح أكثر قدرة على العمل
والإنتاج بسبب ما علمناه إياه؟ وكم أسرة فُتح لها باب رزق لأن أحداً لم يبخل عليها
بما تعلمه؟ وكم جيلاً سيواصل البناء على ما وصلنا إليه بدلاً من أن يبدأ من الصفر؟
فالمال
ميراث، والعقار ميراث، لكن أعظم ما يمكن أن نورثه للناس هو علم نافع، وخبرة صادقة،
وفهم عميق للحياة والمهنة والواقع. ذلك هو الميراث الذي لا ينقص بالعطاء، ولا
ينتهي بموت صاحبه، بل تبدأ ثماره الحقيقية بعد رحيله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق