أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، أكتوبر 12، 2026

من «الشكل يتبع الوظيفة».. إلى المعماري يخضع للسائد!


جمال الهمالي اللافي 

هل يعقل أن تُرسخ أقسام العمارة وكلياتها ثقافة القطيع في عقول طلابها ووجدانهم؟!

وهل يُقبل أن تجعل مناهج التعليم وأساليب التدريس «قائد القطيع» فرداً يعوي من خارج السرب؟!

ألا تُخشى العواقب حين يُسَلَّم زمام القيادة لمن لا يملك إلا أدوات التبسيط والتسطيح؟!

ومتى كان الذئب حريصاً على سلامة القطيع حتى يُنَصَّب راعياً له؟

تأتي هذه الأسئلة لتسلط الضوء على تحول بنيوي حاد في فلسفة التعليم المعماري والممارسة المهنية؛ تحولٍ نقل العمارة من كونها نتاجاً للفكر، والبيئة، والوظيفة، إلى مجرد استجابة انقيادية لما هو شائع ومألوف.

1. الغيبوبة المؤسسية و«دوبامين» التكرار

إن الإشكال الأكبر لا يكمن في غياب النظريات أو نقص الإمكانات، بل في حالة الاستمراء المريح للواقع. لقد تحولت المؤسسات الأكاديمية إلى بيئات تخشى كلفة التغيير؛ فتدريب الطالب على المساءلة والنقد يفرض كلفة فكرية وأخلاقية باهظة، بينما يوفر «تكرار الجاهز» حالة من الأمان الزائف والرضا اللحظي الذي يشبه الجرعات المخدرة، حيث يُعاد إنتاج النماذج نفسها دون إرباك للمنظومة.

2. الخوف الوجودي من العقلية المستقلة

في ظل هذا المناخ، يُنظر إلى الفكر النقدي المستقل لا بصفته طاقة إبداعية تُغني المشهد العمراني، بل باعتباره «عنصراً مقلقاً» يكشف هشاشة الطرح السائد. إن تحييد العقلية المستقلة وتحويل المعماري من «مفكر وصانع وعي» إلى مجرد «منفذ تقني» يضمن استمرار المنفعة المستقرة للقائمين على هذا السائد، ويؤجل لحظة المواجهة مع الذات.

3. امتداد التخريب إلى الذائقة المجتمعية

لم تتوقف آثار هذه الأزمة عند حدود القاعات الدراسية، بل امتدت لتصوغ الوعي الاجتماعي العام. فعندما يُغيب المعماري المفكر لعقود، يعتاد المجتمع الهجين والمكرر حتى يغدو هو المعيار الوحيد للجمال. وبذلك أُعيد تشكيل العميل نفسه؛ ليدخل إلى المكتب المعماري مطالباً بمحاكاة صور عابرة، رافضاً أي طرح أصيل ينبع من منطق المكان والبيئة والخصوصية.

إنها دورة مغلقة وشديدة الإحكام: تعليم يُدجن الطالب ← خريج يتبع السائد ← مجتمع يعتاد الهجين ← وعميل يرفض كل طرح حر.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن الصراخ في وجه هذا الوقر ليس مجرد محاولة للإصلاح، بل هو إثبات لواقعة الرفض، وشهادة على أن المعمار لا يصح أن يكون يوماً جداراً صامتاً في ساقية المألوف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...