جمال الهمالي اللافي
يشهد المشهد الفكري والمهني المعاصر مفارقة
نفسية واجتماعية لافتة؛ إذ يجنح الكثيرون نحو مجالسة نقيضهم الجذري، متجشمين عناءً
نفسياً بالغاً في قبول التنذر والانتقاد، سعيًا وراء صكوك انفتاح زائفة أو إثبات
للذات. وفي المقابل، يعزفون عن التواصل مع "أشباههم" في الرؤى
والتوجهات، هرباً من مرآة المصارحة التي قد تكشف الزلات وتدفع نحو الإصلاح، أو
خشية فقدان التفرّد. هذه الثنائية المأزومة بين الهروب نحو الآخر المختلف والنفور
من الشبيه، تنعكس بوضوح أشد قسوة في قطاع العمارة والعمران، حيث تتحول الفردية
المطلقة إلى معول هدم للهوية والروح الجماعية.
أولاً: الدروس
التاريخية.. حين يصنع "الأشباه" المنعطفات الكبرى
تاريخياً، لم تولد المدارس الفنية والمعمارية
الكبرى من عبقريات منعزلة تعيش في أبراج عاجية، بل انبثقت من رحم التجمع والتلاقح
الفكري بين أنداد يتقاسمون الهاجس والرؤية.
ففي الفن التشكيلي، تجمعت أسماء مثل كلود مونيه
وبيير أوجوست رينوار لتأسيس الانطباعية، وتشارك
بابلو بيكاسو وجورج براك في تأسيس التكعيبية؛ لم يكونوا
نُسخاً كربونية، بل أوجدوا "كتلة حرجة" من الوعي حمتهم من السائد وفرضت
لغتهم الجديدة.
أما في العمارة، فتتجلى الورشة الجماعية بأبهى
صورها في مدرسة الباوهاوس التي أسسها والتر غروبيوس عام 1919 في
ألمانيا؛ حيث تضافرت جهود معماريين ورسامين ومصممين يجمعهم هدف مشترك- وهو نبذ
الزخرفة ودمج الفن بالصناعة- لينتقلوا بالمدرسة من محليتها الألمانية إلى
العالمية. إن اجتماع الأشباه لا يلغي الخصوصية، بل ينضجها، وهو ما افتقده المشهد
المعماري حين أدار ظهره لثقافة الورشة والعمل الجماعي.
ثانياً: جذور
التشظي في المشهد المعماري الليبي
حين نسقط هذا الواقع على المشهد المعماري في
ليبيا، نكتشف أن الأزمة ذات أبعاد بنيوية مزدوجة، تشترك فيها المنظومة الأكاديمية
والواقع المهني على حد سواء:
- الردة الأكاديمية (منتصف الثمانينيات): شهدت الأكاديمية الليبية تحولاً موجعاً بالانتقال من نموذج
"المشاريع الجماعية للطلاب"- الذي واكب تأسيس قسم العمارة والتخطيط
العمراني بجامعة طرابلس بدعم من اليونسكو وكان يعلم الطالب قبول النقد وإدارة
الخلاف الفكري- إلى نموذج "المشروع الفردي المطلق"، مما خرّج
أجيالاً تعتقد أن المعماري نبي معصوم لا يقبل الشراكة ولا يحتمل مرآة النقد.
- التخبط المنهجي: يعاني الواقع الأكاديمي ذاته من تشظي أعضاء هيئة التدريس،
وافتقار المناهج لبوصلة واضحة؛ إذ تُعرض المدارس المعمارية الغربية ككتالوجات
مستوردة بلا تمحيص، ودون الإجابة عن السؤال الجوهري: لماذا ندرسها وإلى أين نريد لها أن تصل بنا؟
- عقم الممارسة المهنيّة: انعكس هذا الخلل على السوق المحلي ليفرز مكاتب معمارية تقوم على
براغماتية جوفاء؛ فإما مكاتب "مشاركة مصاريف الإيجار والكهرباء"
حيث يجتمع زملاء بلا رؤية مشتركة، أو نموذج "المعماري المهيمن"
الذي يحيط نفسه برسامات ورسامين لتنفيذ أوامره بصورة آلية، غياباً تاماً
لمفهوم الورشة أو البيان المعماري المشترك.
ثالثاً: نحو
المخرج.. نزع الغرور وإحياء الرؤية المشتركة
إن الخروج من هذه الدوامة العبثية يتطلب وعياً
نقدياً شجاعاً؛ فالاستفادة الحقيقية من تجارب الأمم الأخرى لا تكون بالاستهلاك
الأعمى لصورها المعمارية وقيمها المتضاربة مع بيئتنا، بل باستلهام منهجياتها في
التأسيس والعمل الجماعي.
إن طوق النجاة يبدأ حين يخلع المعماريون الليبيون أردية الغرور الزائف، ويكسروا حاجز الحساسيات المفتعلة وسوء النوايا، ليتواصلوا ويتظافروا. تأسيس صالونات معمارية مستقلة، والعودة إلى روح العمل الجماعي أكاديمياً ومهنياً، هما الشرطان الأساسيان لإرساء مدرسة معمارية ليبية أصيلة؛ مدرسة تعيد الاعتبار للهوية المحلية، وتحمي النسيج العمراني من عشوائية التغريب، وتنتقل بالعمارة من شتات الجهود الفردية المشتتة إلى رحاب الإبداع الجماعي الرصين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق