أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، سبتمبر 29، 2026

عودة الروح إلى البيت الإسلامي

 

جمال الهمالي اللافي

حين يُبنى البيت على قيم الألفة والكرامة، يصبح فضاءً يعيد تشكيل الجماعة ويمنحها القوة.

    لم يعد البيت في كثير من مجتمعاتنا فضاءً للألفة كما كان، بل تحوّل إلى قاعة عرض للأثاث والديكور، تُغلق أبوابه أمام حرارة اللقاء، وتُراقب فيه خطوات الأطفال بقلق، وكأنهم غرباء في بيت أهلهم. هذا التحوّل يكشف عن أزمة أعمق من مجرد تغيّر في الذوق؛ إنها أزمة في فلسفة العمارة ذاتها، حين انفصلت عن قيمها الأصلية التي كانت تجعل البيت وعاءً للجماعة، لا مجرد مأوى فردي.

    البيوت التي صُممت وفق قيم المسكن الإسلامي حملت بين جدرانها روح الضيافة والتواضع، فكانت جاذبة، مفتوحة، تُعيد إنتاج روابط المحبة والتواصل. أما البيوت التي استوردت روحها من الحداثة الغربية، فقد صُممت لتُعرض لا لتُعاش، لتُغلق لا لتُفتح، فصارت طاردة، باردة، تُكرّس الفردية والانعزال.

    ولعل ما قاله ونستون تشرشل في أكتوبر 1943، وهو يناقش إعادة بناء قاعة مجلس العموم البريطاني بعد أن دمّرتها الغارات، يضيء هذه القضية : "نحن نصنع مبانينا، ثم هي تصنعنا."  لم يكن يقصد التنظير المعماري، بل أراد أن يُعاد بناء القاعة كما كانت، حفاظاً على طبيعة النقاش السياسي وروح المواجهة المباشرة بين الحكومة والمعارضة. لكن عبارته، وإن جاءت في سياق محدد، تحمل دلالة أوسع: أن كل مبنى يُشيد يعيد تشكيل قيم ساكنيه ويؤثر في أخلاقياتهم وعلاقاتهم.  

    اليوم، حين ننظر إلى مشاريع الإسكان المستوردة أو الأحياء العشوائية، ندرك أن العمارة ليست محايدة؛ فهي إما أن تُعيد الحياة إلى مفهوم الجماعة، أو تُنتج عزلة وقسوة. ومن هنا فإن مستقبل عمارتنا لن يُقاس بمدى فخامة الواجهات أو حداثة المفروشات، بل بقدرتها على إحياء فضاءات الألفة والكرامة التي كانت أساس البيت الإسلامي، وإعادة بناء المجتمع على قيم الترابط والتلاحم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...