أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأحد، سبتمبر 06، 2026

تفكيك المقدس: التراتبية الفكرية للعمارة المعاصرة وتغييب هوية المسجد


جمال الهمالي اللافي

تُعدّ العمارة التجسيد المادي الأكثر ديمومة لثقافة المجتمعات وعقيدتها؛ فهي ليست مجرد حاوية وظيفية للهياكل أو استعراض تشكيلي محايد، بل هي اللغة البصرية التي تترجم المرجعية الفكرية والأخلاقية لأي أمة. ومن هنا، فإن الأزمة البصرية والنمطية التي تشهدها عمارة المساجد في ليبيا اليوم لا يمكن اختزالها في مجرد "ضعف ذوقي" أو "تجديد شكلي عفوي"، بل هي انعكاس صريح للصدام البنيوي بين هوية المجتمع والذاكرة الجمعية وبين النظريات المعمارية الدخيلة.

لقد أدى الجري غير الواعي خلف صرعات المعمار المعاصر إلى تحول متدرج في صياغة "المقدس العمراني"؛ فبدلاً من أن يظل المسجد صرحاً ينبع تشكيله الفضائي والجمالي من الموروث النمطي والبيئي الأصيل، أصبحت العمارة الدينية ساحةً لتطبيق طروحات تفصل المبنى عن جذوره العقائدية والثقافية، بل وتهمش موقعه وتلغي وجوده البصري في النسيج الحضري. 

ولكي ندرك العمق الحقيقي لخطورة ما يحدث على أرض الواقع من إبهام لهوية المسجد وتفكيك لصورته الذهنية، وجب أولاً تفكيك المظلة الفلسفية التي تغذي هذه التوجهات، وتتبع المسار التاريخي للنظريات الغربية التي صاغت هذا التحول عبر متتالية فكرية متماسكة.

1. التراتبية الفكرية: من القطيعة الحداثية إلى التفكيك الشامل

لم تكن الأزمة العمرانية المعاصرة وليدة المصادفة، بل جاءت تتويجاً لتراتبية أيديولوجية مرت عبر ثلاث مراحل أساسية صاغت الفكر المعماري الغربي الحديث:

·     المرحلة الحداثية: قامت على مبدأ القطيعة المعرفية والتاريخية الشاملة، وإلغاء الموروث العمراني الأصيل، والبدء من "الصفر" عبر تقديس المادة والوظيفية الصماء التي تُجرّد الفضاء من روحه ورمزيته.

·     مرحلة ما بعد الحداثة: كرّست النسبية المطلقة، ونزعت المركزية عن الثوابت الأخلاقية والدينية، مشككة في قدرة السرديات الكبرى والمفاهيم الكلية على توجيه المجتمعات وتنظيم عمرانها.

·     المرحلة التفكيكية: أخذت هذه المسيرة إلى مداها الأقصى؛ فلم تكتفِ برفض الماضي أو نسبية القيم، بل بَنَت فلسفتها على تفكيك النص، وهدم المركز، وإلغاء البنى الاجتماعية والدينية والمفاهيم الاستقرارية،  التي تستهدف تدمير الأسرة، وصولاً إلى التشكيك في الغايات العقائدية والأخلاقية برمتها. وصولاً إلى التشكيك في الغايات العقائدية والأخلاقية برمتها. 

إن هذه المتتالية لم تكن مجرد تطور في أدوات التشكيل الهندسي، بل كانت وسيلة لإعادة تشكيل أسلوب الحياة ونزع المرجعية الفكرية والعقائدية عن الإنسان المعاصر.

2. تفكيك المركزية العمرانية والتهميش التخطيطي

إن أولى مظاهر هذا التفكيك لم تبدأ في كتلة المبنى ذاتها، بل في سلب المسجد موقعه ومركزيته العمرانية داخل المخطط الحضري للمدينة والحي:

فقدان مركزية "المسجد الجامع": في العمران الأصيل، كان المسجد الجامع يمثل القلب النابض والنواة التخطيطية التي تتجمع حولها الفضاءات العامة والأسواق والمحاور الرئيسية. أما في التخطيط المعاصر، فقد جرى تهميشه وإزاحته عن المركز، ليتعامل معه التخطيط كعنصر هامشي أو مساحة زائدة تُفرض فرضاً في أطراف المخططات.

غياب المساجد المحلية كعلامات دالة: كانت المساجد المحلية داخل الأحياء السكنية تشكل معالم ونقاطاً دالة توجّه حركة الساكنيم والمارة وتمنح الحي طابعه الروحي والبصري. ومع التخطيط الحديث، اختفت هذه المرجعية المكانية، وأُفقد المسجد دوره كمرتكز ينظم الروابط الاجتماعية والفضائية للمجاورين.

3. التدرج في سلب الهوية: من الانقطاع التراثي إلى طمس العلامات

يظهر التجريف المعماري للمسجد عبر مسار متدرج يُجسد أثر هذا التحول الفكري على الصورة الذهنية للمبنى:

·     المرحلة الأولى (الانقطاع عن التراث المحلي): طُرحت مساجد معاصرة احتفظت بالمعالم الدالة الشائعة (كوجود المئذنة والقبة)، لكنها قطعت صلتها بالكلية عن الموروث المعماري المحلي للبلد؛ فبدت غريبة عن بئيتها وإن ظلت تُعرف كمسجد.

المرحلة الثانية (الطمس التفكيكي الكامل - الواقع الراهن): تراجعت حتى تلك العلامات الدالة، وصولاً إلى تصاميم تُطمس فيها أي إشارة بصرية تُعرب عن طبيعة المبنى. أصبحت المساجد تُشيّد على هيئة كتل مكعبة خرسانية صماء لا تمتلك من خصائص المسجد شيئاً، قد يبدو في ظاهره استعارة بصرية من تبسيطية الحداثة، لكنه يمارس في زمننا الراهن دوراً تفكيكياً صريحاً. حتى غدا المارّ عاجزاً عن تبين كُنْهِ المبنى، ولا يدرك أنه مسجد إلا من خلال اللافتة المعلقة على بابه!

إن تفكيك المعنى يتم بقطع الصلة بين الرمز ودلالته:

·         تجريد المسجد من محدداته النمطية التاريخية (الصحن، التناسب الفضائي، النسبة والتناسب، المواد المحلية، والتناغم البيئي).

·         استبدال الهوية المحلية المكتملة بأشكال محايدة تغيّب الخصوصية الثقافية والدينية.

·         إلغاء السكينة الروحية التي تأسست عبر عقود من التراكم العمراني الأصيل لصالح كتل خرسانية طارئة.

4. أزمة المقروئية العمرانية ونزع القداسة

إن النتائج الميدانية لهذا التهميش المزدوج (التخطيطي والبصري) تظهر في أزمة المقروئية العمرانية. عندما يُعزل المسجد عن مركز الحي، ثم تُسلب منه معالمه البصرية ليتحول إلى كتلة مبهمة مبهمة تفقد معالمها الدالة، لا تختلف عن المقرات التجارية أو الإدارية المجاورة، يقع الفضاء المعماري في حالة من "الاغتراب البصري" ونزع القداسة عن المسجد؛ إذ يتم التعامل مع عمائر العبادة كفضاءات وظيفية صماء تفقد قدرتها على توجيه السلوك الروحي والتأثير في الوجدان الجمعي. 

5. خطورة التراث بالتقادم الزمني

تزداد هذه الأزمة خطورة عندما تُترك هذه المباني الهامشية والدخيلة لعدة عقود، فيبدأ النسيان العمراني بالتشكل، وتُصوَّر هذه المكعبات والكتل الصماء للأجيال القادمة على أنها "جزء من الموروث المعماري المحلي" لمجرد مضي الزمان عليها.

إن التقادم الزمني لا يمنح المبنى صفة الأصالة والتراث ما لم يكن متجذراً في البيئة العمرانية والموروث النمطي والبيئي للمجتمع. والتسليم بهذه الأشكال الطارئة يمثل تسليماً متدرجاً بطمس الهوية المعمارية الليبية وإحلال المفاهيم التفكيكية محلها. 

خاتمة ومسؤولية

إن العمارة ليست ترفاً تشكيلياً ولا ممارسة هندسية معزولة عن القيم، بل هي التعبير المادي الأكثر ديمومة عن عقيدة المجتمع وثقافته. وإن التصدّي للتجريف العمراني والفكري يتطلب وعياً معمارياً يحمي عمارة المساجد من التفكيك والتغريب، ويستعيد للمسجد دوره كمركز روحي وبصري يعبر بصدق عن الهوية والأصالة المحلية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...