جمال الهمالي اللافي
إن تقييم الأفكار والممارسات لا يكتمل إلا بالاحتكام إلى القواعد العقلية الكبرى التي ضبط بها الفيلسوف اليوناني أرسطو مسار التفكير البشري، والموسومة بـ "قوانين الفكر الأساسية". ولأن المعركة الفكرية اليوم ليست معركة خطوط وكتل فحسب، بل هي معركة مصير عقدي وهوياتي، فإننا نلجأ إلى هذه القوانين الصارمة لنزن بها واقعنا المعماري والأكاديمي، كاشفين بذلك عورة التناقض المستشري في استيراد منظومات غربية تتصادم جذرياً مع العقيدة الإسلامية ومنهج الحياة الشامل.
في عالم البناء وتشكيل الفراغات، لا تنفصل حركة القلم على الورق عن حركة الفكر في العقل. العمارة ليست مجرد جدران وأسقف، بل هي الوعاء المادي الأكبر الذي يترجم عقيدة المجتمع ورؤيته للوجود والكون. وحين يقف المعماري أمام طاولة التصميم، فإنه لا يختبر مهارته الهندسية فحسب، بل يختبر انتماءه العقدي والفكري بالكامل.
ومن هنا، فإن كشف عمق هذا الصراع العقدي قبل الهندسي في ممارساتنا المعمارية والأكاديمية يستوجب منا تفصيل القواعد الثلاث كالتالي:
أولاً: قانون الهوية (الشيء هو ذاته)
ينص هذا القانون على أن الهوية ثابتة لا تتجزأ. المسلم يعتنق عقيدة شاملة تنظم كل تفاصيل حياته؛ في عمرانه، وملبسه، ومأكله، ومشربه، وعاداته، وسلوكياته، ومعاملاته. هذه العقيدة ليست شعاراً، بل هي منهج حياة متكامل ينبثق من استخلاف الإنسان في الأرض وفق مراد خالقه. هويته المعمارية هنا هي الامتداد المادي والعضوي لهذه العقيدة، وثباته عليها أمر لا مساومة فيه.
ثانياً: قانون عدم التناقض
يخبرنا العقل أنه لا يمكن للشيء أن يحمل صفة ونقيضها في اللحظة ذاتها. وهنا تكمن الأزمة الكبرى التي يتغافل عنها الكثيرون؛ إذ لا يمكن للمعماري أن يعلن انتماءه لعقيدته الإسلامية كمنهج حياة شامل، ثم يتبنى في الوقت نفسه نظريات وفلسفات غربية وافدة تتصادم في جوهرها مع أصول هذه العقيدة. إن تمرير هذه النظريات وترويجها -سواء عبر المناهج الأكاديمية أو التطبيقات العملية التي تجعل من الإنسان وغاياته المادية المطلقة محوراً للكون بدلاً من العبودية لله- هو تناقض صارخ يلغي الانتماء الأول. العقل السليم يرفض الجمع بين تبني فكر يصادم عقيدته وبين ادعاء الوفاء لها.
ثالثاً: قانون الثالث المرفوع (إما أن تكون أو
لا تكون)
القضية إما صادقة أو كاذبة، ولا وجود لمنطقة وسطى أو رمادية للتلفيق أو الهروب إلى تفاصيل شكلية زائفة. لن ينفع المعماري هنا أن يدعي بأنه "عالج الخصوصية" أو وضع بعض الحلول الشكلية بينما يستورد فلسفة حياتية ومنظومة قيمية مغتربة. هذا القانون يضع الأكاديمي والممارس أمام محك الحقيقة القاطعة: لا يمكنك اعتناق هويتين متصادمتين في آن واحد. إما أن تكون معمارياً مسلماً تنبع فلسفتك وتطبيقاتك من مشكاة عقيدتك ومنهجها الشامل، أو أن تكون أداة تروج لنظريات غربية تصادم دينك في الجوهر والفرع. إما أن تكون، أو لا تكون.
ختاماً:
وهنا تتوجه المساءلة بحزم إلى الأكاديمي والقائمين على صياغة العقول في قاعات المحاضرات: كيف يستقيم أن تستمر مناهجنا التعليمية في فرض نظريات وتوجهات استعمارية في جوهرها الفكري، تُخضع المسلم لرؤية تتصادم مع عقيدته في كل ما يحيط به؟ إن الوقوف أمام الطلاب لتمرير هذا الاستلاب الفكري تحت غطاء الحداثة والتطور ليس نقلاً للمعرفة، بل هو محاولة مسخ لطمس الهوية من أصولها. ألم يأنِ الأوان لتطهير هذه العقول والمناهج من هذا التناقض، لتعود قاعات الدرس منطلقاً لعمارة تنبع من العقيدة وتصون إنسانها، بدلاً من تخريج أجيال تكرس الاغتراب وتناقض دينها في الفكر والممارسة؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق