أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأحد، سبتمبر 06، 2026

الاستعمار الفكري وتهديم العمران: التصادم العقدي بين الحداثة والعمائر الإسلامية

جمال الهمالي اللافي 

تُطرح في أروقة النقد والتخطيط العمراني محاولات مستمرة لما يُسمى "التوفيق بين الأصالة والمعاصرة". غير أن هذه المحاولات تنطلق في الغالب من اختزال تسطيحي للمسألة في حدود "التراث المحلي"، وتتغافل عن الجذر الحقيقي للأزمة: إن التصادم الجذري ليس بين الحداثة و"موروث تقليدي"، بل هو تصادم مباشر بين الفلسفة الغربية التي أنتجت الحداثة وما تلاها، وبين العقيدة الإسلامية كمنهج حياة متكامل انعكس تاريخياً على كل مظاهر حياة المسلمين.

1. سياق الحداثة الغربية مقابل المفهوم الإسلامي

حققت عمارة الحداثة في موطنها الغربي استجابة لظروف مجتمعاتها التقنية والفكرية، وعكست تحولاتها نحو المادية والفردانية وإعادة تعريف الإنسان بعيداً عن الوحي. غير أن أزمة هذه النظريات تظهر حين تُفرض كنموذج عالمي يتجاوز سياقه، ليحل محل مرجعية عقدية مختلفة تماماً.

·     المرجعية الإسلامية: تنطلق من عقيدة التوحيد، وتصوغ الفضاء العمراني ليكون امتداداً لقيم السكن، والستر، والتواضع، ومراعاة حرمة الجوار. إنها رؤية تجعل المبنى أداة لتحقيق عبودية الله والانسجام مع الفطرة، لا أداة للاستعراض.

·     النموذج الوافد: ينطلق من مركزية المادة، وتشييئ الفضاء لخدمة حركة الاستهلاك، وتحويل الكتلة المعمارية إلى أداة للتعبير الفردي والاستعراض المادي، وهو ما يتصادم جذرياً مع منظومة القيم والأخلاق التي تشكل الوجدان الإسلامي.

2. تفوق المشروع العمراني الإسلامي وكفاءته الشاملة

إن النقد الموجه لإسقاط الحداثة على مدننا لا ينطلق من موقف عاطفي، بل من واقع أن العمائر الإسلامية قدمت مشروعاً حضارياً شاملاً حقق كفاءة وظيفية وبيئية واجتماعية تعترف الأدبيات المعمارية المعاصرة نفسها بعدم قدرة الحداثة على مضاهاتها:

·     الانسجام البيئي والمادي: اعتمد العمران الإسلامي على مواد البناء المحلية والحلول المعمارية البيئية الموجبة (كالفناء وسمك الخوائط والفتحات الصغرة وملاقف الهوائية) لتوليد مناخ مصغر يستغل حركة الطبيعة، خلافاً للكتل الخرسانية والزجاجية الوافدة التي تستهلك الطاقة بقسوة للتكيف الميكانيكي.

·     التكافل الاجتماعي والخصومية: صُممت الكتل المعمارية متضامنة ومتصلة لتعزيز التكافل ولحمة الحي، مع توجيه الفتحات والفناءات إلى الداخل لتحقيق الخصومية التامة والستر لأهل الدار، في مقابل الكتل المنفردة الحداثية المنفتحة على الخارج والتي تكرس الفردانية وتكشف الحرمات.

3. أدوات الفرض القسري والانبهار الأعمى

لم يدخل النموذج الحداثي الغربي إلى ديار المسلمين نتيجة اقتناع فكري أو مفاضلة معمارية مجردة، بل أُدخل وفرض عبر مسارين:

1.   سطوة الاحتلال والقوة العسكرية: تفكيك النسيج العمراني المتضامن للمدن الإسلامية بالقوة، وشق الشوارع العريضة لاختراق الأزقة المحمية لتسهيل السيطرة الأمنية وتدمير البنية الاجتماعية المترابطة.

2.   الغزو المؤسسي والنخب المغتربة: توظيف مناهج التعليم والإعلام لتغريب العقل المعماري، وتنشئة نخب تبنت الطرح الغربي وصارت تبنيه وتدرّسه دون مراجعة لمرجعيته. وحين اصطدمت هذه النخب بالرفض الفطري للمجتمع، لجأت إلى "التوفيق التلفيقي" بإلصاق مفردات شكلية كالأقواس على كتل خرسانية مسخ سترًا للتصادم الجوهري.

4. المنهجية التطبيقية: استعادة "فقه العمران" لا اختراع البدائل

إن الحديث عن البديل التطبيقي للمعماري الممارس اليوم لا يعني البحث عن "ثورة تصميمية معقدة"، فالأمة لم تكن بلا منهج عمران، بل كانت تمتلك منظومة متكاملة من التشريعات والضوابط أفرزت أرقى الحواضر المعمارية. إن تفعيل هذا البديل يبدأ من خطوتين عمليتين:

·     استعادة ضوابط "فقه العمران" كقوانين تصميمية: تحويل قواعد الفقه العمراني كقاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، وما استلهمه المُشرع منها (كحريم الدار، ومراعاة حقوق الضوء والهواء للجوار، ومنع الإشراف الكاشف للحرمات)، إلى محددات رئيسية تشكل مسقط المبنى وحجمه قبل البدء في أي عملية رسم.

·     الانطلاق من التراكم التاريخي لا القطيعة: معالجة المتطلبات المعاصرة واستخدام التقنيات الحديثة بوصفها "أدوات تنفيذية" خادمة لجوهر الفضاء الإسلامي (كالبيت ذي الفناء الداخلي والكتل المتضامنة)، وليس بوصفها فلسفة توائم التشكيل. 

إن المفاصلة المعرفية المطلوبة هي الانتقال من موقع "المستورد المنبهر" الذي يلهث خلف نظريات تفكك أصوله، إلى موقع "الوارث الواعي" الذي يستأنف العمل بمنظومته العمرانية التي أثبتت كفاءتها عبر التاريخ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...