جمال الهمالي اللافي
لا تولد العمارة من فراغ، ولا تتشكل بمجرد رصّ مواد البناء لرفع جدران وأسقف، سواء تجسدت في مبنى سكني أو مرفق تعليمي أو مخطط عمراني شامل. إنها في صميمها وعاء يحمل مضموناً ورسالة، وتوجهاً وعقيدة. فالمعماري، أكان مدركاً لغاياته أم مجرد ناقل منبهر بطرز وافدة، يطرح على أرض الواقع مشروعاً ثقافياً يفيض بالخلفيات الفكرية لذلك الطراز الذي يتبناه.
وهنا تبرز الإشكالية الكبرى في مناهج التعليم المعماري التي تحشو عقول الطلاب بأشتات من الطرز المعمارية المتباينة، وتدفع بهم نحو استيعاب توجهات مستوردة يغلب عليها النزعة المادية المجردة. يحدث هذا دون تبصير الطالب بمدى تعارض هذه التوجهات مع قيم المجتمع وأخلاقياته المستمدة من عقيدته الإسلامية. والنتيجة الحتمية هي تخريج أجيال تتبنى قناعات متصادمة، مما يؤدي إلى انحراف مسار المجتمع وتمزيق هويته عبر ضخ مشاريع تفتقر إلى المضمون والانتماء، وذلك تحت دعاوى براقة مثل مواكبة العصر ورفض التقوقع في الماضي.
إن خطورة الفضاء المعماري تتجاوز غيره من الوسائل، لأنه البوتقة التي تحتضن المجتمع وتُعيد تشكيله وفق تفاصيل البيئة المبنية. وحين تتضارب المشاريع المنفذة في منطلقاتها، يغدو الفرد رهيناً لبيئة يومية تسلخه عن ثوابته، مما يجعل من المستحيل تكوين رؤية مجتمعية موحدة تجاه أي قضية.
ولعل المدخل الأهم لتصحيح هذا المسار العبثي يكمن في الفهم الدقيق للفارق الجوهري بين "الحداثة" كمنظومة فكرية، وبين "التحديث" كأدوات وتقنيات ابُتكرت لتسهيل سبل العيش. إن رفض فكر الحداثة لا يعني البتة معاداة التطور التقني، بل هو رفض لقطيعة متعمدة مع الموروث، ورفض لقيم لا أخلاقية تُفرغ المسكن من معانيه الإنسانية.
أما التحديث التقني، فقد أثبتت التجربة خضوعه التام لمعايير السوق والمكاسب المادية الرأسمالية بعيداً عن الغايات الإنسانية. فالجهات المصنعة تتعمد تقليص العمر الافتراضي لمواد البناء والأدوات الحديثة إلى الحد الأدنى لضمان استمرار الاستهلاك ورفع هوامش الربح، متجاهلة مبدأ الجودة والديمومة الذي كان أساساً في البناء.
في المقابل، تقف التقنيات المعمارية التقليدية شاهداً على كفاءة لا تُضاهى. فمواد البناء المحلية وطرق الإنشاء الأصيلة والمعالجات المناخية الطبيعية أثبتت تفوقها العملي والوظيفي على منتجات السوق الاستهلاكية الحديثة التي سجلت فشلاً ذريعاً في توفير بيئة ملائمة دون تكاليف باهظة. لقد حققت العمارة التقليدية استدامة حقيقية وعمراً ممتداً، وقدمت حلولاً تحترم المناخ وتصون الأسرة.
ختاماً، إن
الموقف الحازم برفض منظومة الحداثة الفكرية وإفرازاتها الاستهلاكية ليس تراجعاً عن
ركب التطور، بل هو انحياز للعقل والمنطق، وتفريق واعٍ بين تقنية يجب أن تخدم
المجتمع، وبين استلاب فكري وتجاري يسوّق للربح المادي على حساب استقرار المجتمع
وكفاءة عمرانه.
.png)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق