أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الخميس، سبتمبر 17، 2026

عمارة الاستلاب: نقد التخطيط المستورد ومأزق الهوية العمرانية في ليبيا

مبنى سكني في مدينة السرير- ليبيا صممه المعماري الياباني كيشو كوروكاوا. 

جمال الهمالي اللافي 

تخوض الحواضر الليبية منذ استقلال ليبيا مواجهة حاسمة مع أزمة تشكيل هويتها العمرانية، حيث يتجلى الفارق شاسعاً بين عمران ينبثق من روح المكان وتاريخه، وعمران يُسقط عليه قسراً باسم الحداثة وما بعدها. إن ظاهرة الاستعانة بالمعماريين النجوم (Starchitects) والشركات العابرة للحدود لوضع "لطخاتهم" الهندسيّة لا يمكن تصنيفها ضمن خانة التحديث الحضري، بل تصب في مسارين: تكريس عقدة الدونية والاستلاب الثقافي من جهة، وإقصاء المعماري والمخطط المحلي من حقه التاريخي في صياغة مشهده الوطني من جهة أخرى.

الاستشراق المعماري وفخ الحلول الجاهزة

تعتمد الأطروحات المعمارية الأجنبية- مهما بلغت أدواتها النقدية- على اختزال الإنسان المحلي في نموذج افتراضي مجرد. إن غالبية الدراسات التخطيطية الوافدة تعيد إنتاج ما يمكن تسميته بـ "الاستشراق المعماري"؛ حيث يُعامل التراث كزخرفة سطحيّة تُجرد من عمقها الثقافي والاجتماعي وتُلصق على كتل خرسانية غربية التكوين لا علاقة لها بطبيعة الحياة الاجتماعية. 

ولا يتوقف الخلل عند الشركات الغربية؛ إذ يقدم البديل الإقليمي أو العربي نموذجاً لا يقل رداءة. فهذه الشركات، المسكونة بقوالب الاستنساخ التجاري السريع، لا تقدم ما تحتاجه المدينة حقيقة، بل تقدم "ما ألِفته هي". النتيجة في الحالتين هي منتج عمراني مغترب يتجاهل الديناميكيات الاجتماعية للأسرة الليبية، ومفهوم التدرج الفراغي والخصوصية، والتوافق البيئي مع المناخ المحلي.

مفارقة الخبرة وأسطورة "المهندس النجم"

تتذرع الإدارات المتعاقبة بـ "غياب الخبرة الكافية" لدى الكادر الوطني لتبرير استيراد الحلول الجاهزة، غير أن تفكيك هذه الذريعة يكشف عن مفارقة منطقية فادحة: الخبرة المعمارية ليست هبة جينية، بل هي حصيلة تراكمية للفرص، والممارسة، والتجربة، وتصحيح الخطأ. 

إن الشهرة والصفة الاستشارية التي يحظى بها المعماري الأجنبي لم تأتِ من فراغ، بل وُلدت لأن دولته أتاحت له المجال أولاً ليتعلم ويسهم في تشكيل مدنه الخاصة. وحين تتخلى الدولة عن كوادرها وخريجي جامعاتها تحت ذريعة نقص الخبرة، فإنها لا تحرمهم من النمو فحسب، بل تحول ميزانياتها القومية إلى حقول تجارب مدفوعة الأجر لتمويل خبرات الشركات الأجنبية وصقل مهاراتها على حساب النسيج العمراني المحلي.

"بيت العنكبوت": التواطؤ المؤسسي والاستخفاف بالداخل

تتضاعف الأزمة حين ندرك أن الهياكل والأجسام المهنية والنقابية قد تحولت في مجملها إلى واجهات شكلية تشبه "بيت العنكبوت"؛ كونها تظل أذرعاً لمنظومة أعمق ترسخت منذ الاستقلال وتقتات على الاستخفاف بالداخل وتمجيد الوافد. 

إن استمرار هذا النهج يُفقد المجتمع "مواطنته العمرانية"؛ فالمدينة التي لا يخططها ولا يبنيها أبناؤها تظل بالنسبة لهم مجرد مساحات طارئة للعيش، بدلاً من أن تكون وعاءً حضارياً حياً يتطور بتطور إنسانه ويحفظ ذاكرته الوطنية. 


مرجع الصورة والمعلومات حول المصمم: صفحة المعمارية إيناس القلالي، على فيسبوك.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...