جمال الهمالي اللافي
صادفتُ مؤخراً منشوراً لأكاديمي يحذّر فيه من سماح الكليات لطلاب العمارة في مرحلتهم الأولى باستخدام برامج الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، مطالباً بإلزامهم بالأسلوب التقليدي المعتمد على أقلام التحبير ومساطر (T) والمثلثات.
لو كانت عقلية البنّائين الأوائل تدار بهذه السذاجة في تقديس الأدوات، لفرضوا النقش بالإزميل على الحجر شرطاً لممارسة العمارة، ولما وصلت إلينا صروحهم المعمارية التي لا تزال شاهدة على عمق فكرهم وتطويرهم المستمر لأساليب البناء، ولكان كل ما ورثناه عنهم مجرد شواهد حجرية مدوّن عليها حجم المأزق الفكري الذي حبسوا فيه عقولهم. فالعمارة لم تكن يوماً رهينة أداة الرسم، بل رهينة الفكرة والحل الإنشائي.
إن انشغال المؤسسة الأكاديمية بنوع الأداة بدلاً من التركيز على جوهر التصميم هو سبب مباشر لما نراه من "تفريخ" لمخرجات تعليمية تكتفي بالجانب التقني. هذا التفكير ينتج مصممين متأثرين بأفكار فردية تغلب عليها الـ "أنا"، وتغفل عن أهمية العمل الجماعي الذي يدمج المعطيات الاجتماعية، والبيئية، والاقتصادية في مشروع واحد متكامل.
من واقع التجربة المباشرة، كان العمل على أي طرح معماري يستغرق منا شهوراً، لننتهي في الأخير إلى تسليم مساقط أفقية وواجهات وقطاعات أو كتلة منظورية لا غير، وكان ذلك يُعد وقتها قمة الإتقان. أما اليوم، فقد تجاوزت برامج النمذجة الحديثة هذه المحدودية؛ إذ أصبحت تسمح للمعماري بتصميم الكتلة بكل أبعادها وتفاصيلها، وحساب كميات المواد، والربط المبكر بين الحلول الإنشائية والشبكات الخدمية في فترة لا تتجاوز بضعة أسابيع.
هذا التحول ليس حكراً على العمارة، بل يمتد إلى مختلف مجالات الفكر والكتابة. أذكر أنني كتبتُ قصة قصيرة أخذت مني صياغتها وتعديلها سبع سنوات على الورق، لكن حين انتقلتُ لاستخدام برامج معالجة النصوص، لم تستغرق التعديلات أكثر من أسبوع. واليوم، مع أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت مراجعة النصوص والتأكد من سلامتها مسألة ساعات، دون الحاجة لانتظار قارئ أو مراجع لتحديد مواطن القوة والضعف في النص.
البرمجيات
والتقنيات الحديثة لا تبتكر الفكرة، لكنها تختصر الزمن والمجهود الروتيني لصالح
التفكير والتحليل. أما إصرار البعض على حصر التعليم في شكل الأدوات القديمة، فهو
تفكير لا يختلف كثيراً عن عقلية الإزميل والحجر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق