جمال الهمالي اللافي
أولاً:
فلسفة الاستغناء في المعمار الجبلي
تتجاوز بعض
الأنماط المعمارية حدود الوفرة المادية لتصل إلى مرتبة من "الاستغناء
الروحي" تُعفيها من كلفة الادعاء؛ إذ يبلغ الاكتفاء بها مبلغاً يحول دون
التفات الوعي إلى المنجزات العمرانية للآخرين بمنطق النقص الذي يستوجب المحاكاة،
أو رغبة التمايز التي تستدعي الاستعلاء.
هذه
الحالة النفسية من الاستغناء ليست مجرد سلوك إنساني عابر، بل هي العقيدة التصميمية
التي نحت بها "أسطى البناء الغرياني" جبال غريان. فإذا كانت العمارة في
جوهرها هي "لغة المادة"، فإن "حوش الحفر"
يمثل أبلغ نصٍ معماري يتحدث عن "غنى النفس" وتجاوز عقدة "الظهور"
التي تطبع الكثير من الأنماط العمرانية المعاصرة.
إن بلوغ ذروة
النضج في الفكر المعماري هو التحول من صخب "الظهور البصري" إلى سكون
"الاستغناء الوظيفي والجمالي"؛ حيث يغدو الاكتفاء الذاتي حصناً فكرياً
يمنع المنتج المعماري من الانزلاق نحو التبعية لمقتنيات أو نماذج الغير. في هذه
المرتبة، لا يُنظر للتفاوت العمراني كفجوةٍ تستوجب الركض لردمها عبر الاستزادة
المادية، بل كحالة وجودية مكتملة لا تخدش كمال الذات، مما يحرر المعمار من عبودية
المقارنة وشهوة التمايز الاستعراضي.
وفي "حوش
الحفر" بغريان، يتجلى هذا الثراء في أقصى صور "التواري المعماري"؛
حيث يُشيد المسكن لا بارتفاعٍ يطاول الأفق ادعاءً وطلباً للوجاهة، بل بعمقٍ يغوص
في باطن الأرض استجارةً واحتماءً. هو معمار يتسم بـ "الصمت الخارجي"؛
فلا تبصر العين سوى امتداد أديم الأرض، بينما يستبطن هذا العمق عالماً متكاملاً من
السكينة والخصوصية.
هذا التكوين
الفراغي ليس مجرد وصف أدبي، بل هو "بيان معماري" يستمد كينونته من
احتضان الأرض له، معلناً استقلالاً هوياتياً تاماً عن صخب المظاهر الفانية،
وتجسيداً مادياً للنفس التي اكتفت بداخلها وترفعت عن طلب الاعتراف عبر القشور
الخارجية.
ثانياً:
التجسيد المعماري والتمايز البيئي
بينما
يتجلى الثراء في البيت الطرابلسي من خلال غنى
المفردات الزخرفية، واستخدام الرخام، واتساع فناء الاستقبال الذي يعكس طبيعة
الحياة الاجتماعية الساحلية، وفي البيت الغدامسي عبر
عبقرية تنظيم الفراغات العمودية وتطويع الضوء لإدارة المناخ الصحراوي؛ يأتي "حوش الحفر" ليعلن عن فلسفة معمارية مغايرة
تماماً، تقوم على ركنين أساسيين:
·
الثراء المتواري: وهو
نمط من القيمة المعمارية التي لا تُبذل لعابر السبيل أو الغريب، بل تُدخر حصراً
لساكني الدار. إنه المعمار الذي يترفع عن مزاحمة الأفق، ويختار "التواضع
المكاني" في باطن الأرض، محولاً المسكن من أداة للاستعراض الاجتماعي إلى حيزٍ
للصيانة النفسية والخصوصية المطلقة.
·
الاكتفاء بالمادة المحلية: في
الوقت الذي تعتمد فيه الحواضر والمدن الساحلية على استيراد مواد البناء لتعزيز قيم
التمايز العمراني، اكتفى الإنسان الجبلي ببيئته المباشرة؛ فمن التراب والصخر نحت
كيانه، محولاً ما قد يُظن أنه "محدودية في الموارد" إلى "كمال في
الصنعة الداخلية" وطاقة استيعابية تتناغم مع الطبيعة دون إقحام عناصر غريبة
عنها.
ثالثاً:
المرتكزات الأخلاقية والبعد الروحي
يبرز الدور
الأخلاقي والقيمي كضابطٍ أصيل لحركة المعمار في الجبل؛ إذ يمثل "حوش
الحفر" الامتثال الأسمى لقيم "الستر" والخصوصية، والالتزام بمبدأ
"عدم التطاول في البنيان" الذي يوجه البوصلة نحو العمق بدلاً من
الارتفاع.
·
البوصلة الأخلاقية والجمالية:
يفرض هذا التصميم انضباطاً بصرياً صارماً؛ حيث يغيب الابتذال المعماري والواجهات
التي تفتقر للمعنى، وتتلاشى الزخارف المدعية التي لا تخدم الوظيفة. الجمال هنا
يتمركز في "الفناء الوسطي"، حيث تنكفئ العمارة على ذاتها، وتصبح نقطة
ارتكاز البيت هي ذلك الفراغ الذي يربط الأرض بالسماء في علاقة مباشرة، تمنح الساكن
شعوراً بالانفصال عن المشتتات الخارجية.
·
الاتصال الكوني: تمثل
الفتحة السماوية للحوش فضاءً للتأمل الوجداني؛ إذ يطل الساكن من خلالها على شواهد
الكون وحركة النجوم، مما يعزز لديه الإدراك بأن "الاكتفاء" في الحيز
الأرضي والزهد في مظاهره الفانية، هو السبيل الأقوم لبناء استقرارٍ روحي يتجاوز
حدود المادة، ويربط المسكن الأرضي بأبعاده الكونية الواسعة.
رابعاً:
غنى "الجوهر" لا "القشرة".. فلسفة الثراء الصامت
بينما
تنشغل أغلب الأنماط المعمارية بتوظيف الواجهات كأداة لجذب الأنظار، ينكفئ
"حوش الحفر" نحو الداخل محققاً ما يمكن تسميته بـ "الثراء الصامت"، والذي يستند إلى ركائز
جوهرية:
·
ثراء الاستغناء: هو
نمط معماري اكتفى بالعناصر الأولية للأرض (التراب والصخر)، ولم يرَ في غياب المواد
المستوردة أو النقوش الخارجية عجزاً إنشائياً، بل اعتبره تحرراً من كلفة المباهاة
وتركيزاً على الوظيفة السكنية في أصفى صورها.
·
التمايز عبر العمق: لا
يدخل هذا المعمار في سباق الارتفاعات مع الجوار، بل يحقق تميزه عبر "السكينة
والاحتواء". إنه لا يحاكي النماذج الخارجية، بل يستمد قيمته من خصوصية الفراغ
الداخلي الذي يوفر عزلة تامة عن ضجيج العالم الخارجي.
·
الصدق المعماري:
يجسد هذا النمط مبدأ "الوضوح مع الذات"؛ فباطن المسكن هو حقيقته
الجوهرية، حيث لا وجود للزيف أو التجميل الذي يداري عيوباً إنشائية، بل هو انعكاس
مباشر لحاجة الإنسان الفطرية للاستقرار والستر.
·
الانضباط
القيمي للفناء: يوجه هذا المعمار نظر الساكن عمودياً نحو الأعلى؛ فبدلاً من
الالتفات للأفق المزدحم بتنافس البشر، ينفتح البيت على الفضاء الكوني الواسع، مما
يعزز الشعور بالسكينة الروحية والارتباط بعظمة الخالق.
·
التجربة
الحسية للساكن لا تقتصر خصوصية "حوش
الحفر" على فلسفته المعمارية، بل تمتد إلى تجربة الساكن الحسية اليومية.
فشعاع الشمس يتسلل عمودياً عبر الفتحة السماوية، مرسلاً خطاً ذهبياً يربط الأرض
بالسماء، بينما تنبعث رائحة التراب الرطب بعد المطر، فتغدو جزءاً من ذاكرة الجسد.
ملمس الجدران الطينية، بخشونتها الطبيعية، يمنح الساكن شعوراً بالانتماء، وكأن
البيت نفسه يردّ التحية لمن يلمسه. أما صوت المطر في الفناء الوسطي، فيعزف موسيقى
طبيعية منسجمة مع سكينة المكان، لتكتمل بذلك تجربة معمارية تتجاوز حدود المادة، وتغدو
طقساً يومياً من التأمل والسكينة.
خامساً:
"الأسطى الغرياني".. وفلسفة إزاحة المادة
يعد
"حوش الحفر" نتاج فكر هندسي متقدم لـ "أسطى البناء
الغرياني"، الذي لم يمارس فعل البناء بمعناه التقليدي القائم على
مراكمة المواد فوق الأرض، بل مارس ما يمكن وصفه بـ "النحت الفراغي".
·
إدارة الفراغ والكتلة: من
خلال "إزاحة المادة" لخلق الحيز السكني، استطاع الأسطى، وبتعاون فني
احترافي مع العمالة القادمة من منطقة فزان، تحويل باطن الأرض إلى
عالم سكني متكامل ومستقر حرارياً وإنشائياً.
·
عمارة الصمت (الواجهة الصفرية):
تعمد الأسطى الغرياني تغييب الواجهة الخارجية كلياً، ترفعاً عن مزاحمة الأفق
الحضري، وتأكيداً على أن "الثراء الجواني" للبيت لا يُبذل للغريب، بل
يُصان لأهل الدار، تماماً كالإنسان المكتفي بذاته الذي لا يبحث عن تقديره في عيون
الآخرين.
سادساً:
السيادة الذاتية والاستقلال الهوياتي
يمثل
حوش الحفر حالة من "السيادة الذاتية" في
التصميم، حيث تشكل الأرض الوعاء المادي الذي تُبنى فيه المصائر وتُصان فيه الكرامة
الإنسانية:
·
الاستقلال عن النسق المقارن:
يصبح البيت مرجعاً لذاته، متحرراً من ضرورة المقارنة مع الأنماط العمرانية الوافدة
أو الحديثة، مما يمنح الساكن شعوراً بالاستقلالية الثقافية والهوياتية.
·
الوضوح القيمي المطلق:
يبتعد هذا المعمار عن المشتتات البصرية الزائفة، محققاً حالة من الوضوح بين
الإنسان وبيئته، حيث يغيب القبح الذي يفرضه التكلف، ويحل محله الجمال النابع من
البساطة والصدق مع المادة.
·
يمثل
حوش الحفر حالة من "السيادة الذاتية": في
التصميم، حيث تشكل الأرض الوعاء المادي الذي تُبنى فيه المصائر وتُصان فيه الكرامة
الإنسانية:
§
الاستقلال
عن النسق المقارن: يصبح البيت مرجعاً لذاته، متحرراً من ضرورة المقارنة مع الأنماط
العمرانية الوافدة أو الحديثة، مما يمنح الساكن شعوراً بالاستقلالية الثقافية
والهوياتية.
§
الوضوح القيمي المطلق: يبتعد هذا المعمار عن المشتتات البصرية الزائفة، محققاً حالة من الوضوح بين الإنسان وبيئته، حيث يغيب القبح الذي يفرضه التكلف، ويحل محله الجمال النابع من البساطة والصدق مع المادة.
· الذاكرة الجمعية والهوية المتجذرة لم يكن "حوش الحفر" مجرد مأوى فردي، بل هو سجلٌ حيّ لذاكرة جماعية متجذرة في وجدان أهل الجبل. فيه تكررت طقوس الحياة: ميلاد الأطفال، سهرات الشتاء، أعراس الصيف، ومجالس الحكماء. كل زاوية فيه تحمل أثراً من حكاية، وكل جدار يختزن صوتاً من الماضي. بهذا المعنى، يغدو البيت الجبلي ليس فقط تعبيراً عن استقلالية عمرانية، بل عن هوية جمعية لا تنفصل عن الأرض التي احتضنته، ولا عن الناس الذين سكنوه. إنه بيتٌ لا يُقرأ فقط كفراغ معماري، بل كوثيقة وجدانية تحفظ ملامح مجتمعٍ بأكمله.
سابعاً:
عبقرية الحلول البيئية (الهندسة الحيوية الطبيعية)
لم تكن حلول
الأسطى الغرياني جمالية فحسب، بل شملت ابتكارات تقنية تضمن استدامة السكن وصيانته
من العوارض الطبيعية:
·
نظام الصرف البيئي المبتكر:
لمعالجة تحدي مياه الأمطار في فصل الشتاء، ابتكر الأسطى نظاماً فريداً يعتمد على
حفر حفرة عميقة في قلب الحوش، يوضع فيها "عظام الدجاج" ثم تُردم تماماً. هذا الإجراء يحفز الكائنات الدقيقة والنشاط
الحيوي (كالنمل) لخلق مسارات تهوية ومسامات تحتية، مما يحول التربة إلى "وسط
مسامي" يتولى تصريف المياه بفعالية عالية دون أثر مرئي يخدش الفناء.
·
المعالجة الطبيعية بالملح: وفي
بعض الحالات، استُخدم الملح كحل كيميائي محلي لضمان نفاذية الأرض ومنع انسداد مسام
التصريف، في تناغم تام مع الطبيعة المحلية وبأدوات بسيطة تضمن "الاكتفاء
التقني" للبيت.
الخاتمة
– إنصاف عبقرية الجبل
إن إنصاف العمارة الجبلية يبدأ بالضرورة من تقدير فكر "الأسطى" الذي أبدعها؛ فقد أثبت هذا المعماري الفذ أن الثراء الحقيقي لا يكمن في "الاستزادة" أو مراكمة العناصر الإنشائية، بل في "الاستغناء الصادق" والترفع عن المباهاة. سيظل "حوش الحفر" في غريان شاهداً على مدرسة فكرية فريدة، ترى في الأرض مستقراً آمناً وفي السماء مرجعاً روحياً، وتجد في "الاكتفاء" ذروة الكمال المعماري والأخلاقي.
الاستمرارية الزمنية ومقاومة التغير على امتداد العقود، قاوم "حوش الحفر" موجات التحديث العمراني التي اجتاحت المدن الليبية، وظلّ قائماً كخيار سكني أصيل، لا بوصفه حلاً ظرفياً، بل باعتباره نموذجاً متكاملاً للاستدامة البيئية والروحية. لم يذبل أمام الإسمنت المسلح، ولم يُغوَ بزخارف الواجهات الحديثة، بل بقي شاهداً على أن العمارة التي تنبع من الأرض وتخاطب حاجات الإنسان الفطرية، قادرة على الصمود أمام تقلبات الذوق والزمن. إن استمرارية هذا النمط عبر الأجيال تثبت أن "الصدق المعماري" ليس مجرد
مبدأ، بل هو ضمانة للبقاء.
إن العودة لإنصاف هذا الإرث هي في جوهرها اعترافٌ بأن "الوضوح مع الذات" هو أثمن أنواع الثراء الإنساني والعمراني؛ إذ يعلمنا "حوش الحفر" أننا لا نحتاج للادعاء فوق سطح الأرض لنيل مكانة أو رفعة، بل يكفي أن نكون "مكتملين" من الداخل، صادقين في انتمائنا لبيئتنا، ومستغنين بيقيننا عن مراقبة ما في أيدي الآخرين من مظاهر زائلة.
وإذا كانت العمارة الطرابلسية والغدامسية قد نالت حظها المستحق من التقدير كأيقونات للحضارة الليبية، فإن "حوش الحفر" يمثل بامتياز "نبل الزهد المعماري". إنه النمط الذي يبرهن على أن القيمة الجوهرية ليست فيما نُضيفه للبناء من زوائد وزخارف، بل فيما نتركه من فراغات ممتلئة بالمعنى والسكينة. هو معمارٌ ارتقى إلى مرتبة من الثراء الروحي جعلته يترفع عن "الادعاء"، ليكتفي بكونه حضناً دافئاً في قلب الجبل، ونافذةً مخلصةً تطل على السماء، وتمنح الساكن صفاء الرؤية واليقين.
إن
"حوش الحفر" ليس بيتاً محفوراً في الأرض فحسب، بل هو بيت محفور في
الوعي؛ يعلّمنا أن العمارة الحقيقية لا تُقاس بعلو الجدران، بل بعمق المعنى، ولا
تُبنى بالزخارف، بل بالسكينة التي تحتضن الإنسان في صمت الأرض وانفتاح السماء.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق