جمال الهمالي اللافي
كيف لنا أن نستنطق كينونة
المكان ونبثّها في نتاجٍ إبداعي، فنياً كان أو أدبياً، ليكون ترجمةً أمينة
لجوهرها؟ يراودني سؤالٌ ملحّ: هل يكتسبُ المنجز المعماري هويته
"الطرابلسية" بمجرد انتسابه الجغرافي لقطعة أرض في مدينة طرابلس؟ وهل
تكفي المحاكاة البصرية لزقاقٍ قديم في لوحة تشكيلية لتنقل لنا ذلك الإحساس، ما لم
يتقصَّ الفنان سرّ "الضوء" الخاص الذي يميز مدننا الليبية بحدته وصفائه
الذي يختلف تماماً عن ضوء أوروبا؟ وهل يكفي أن يسرد العمل الأدبي أحداثاً في
الصحراء، حتى نستشعر دفء المكان بمثل ما فعلت شمسه ورماله، ونستمع لارتداد الصوت
الذي تُشكله البيئة وتنعكس آثاره على نبرة سكانها ومشاعرهم؟
إن استنكاه روح
المكان لا يتحقق برسم القوس الطرابلسي أو وصف الرمال، بل بنقل الأثر النفسي الذي يتركه ذلك الفراغ. فالمعمار الحق هو من
يدرك كيف يتعامل الإنسان مع "الخصوصية"، وكيف يتحرك الهواء بين الفناءات
محاكياً فلسفة "الستر" والعلاقات الاجتماعية التي شكلت المدينة القديمة؛
فإذا لم يترجم المعمار هذه القيم في مبناه الحديث، سيبقى المبنى جسداً بلا روح.
وفي الأدب، الصدق في التعبير يأتي من رصد التفاصيل غير المرئية
من الذاكرة الحسية؛ فلا يكفي وصف "الرمل"، بل وصف علاقة الإنسان به كقوة
قاهرة تشكل مصيره وتصيغ مزاجه. أما الفنان التشكيلي، فهو من "يستنكه"
روح المكان حين يمزج لونه بتراب الأرض حرفياً ومعنوياً، فيجعل المتلقي يشعر
بالانتماء للوحة قبل أن يقرأ اسم صاحبها.
إن روح المكان هي طاقة تُشم
وتُلمس أيضاً، وهي انعكاس مباشر للواقع المعاش وليست مجرد قدر جغرافي. أتذكر في
يونيو من عام 2007، حين عُدت من سفرٍ إلى المغرب؛ حيث كان الهواء هناك ينسابُ منعشاً،
وبمجرد أن انفتح باب الطائرة في مطار طرابلس، لفحتني كتلة من الهواء الحار المشبع
برائحة احتراقٍ غريبة (شياط)، أصابتني بصدمة شديدة. لقد كان هواء ليبيا قبل عام 69
منعشاً ومريحاً، لكن رائحة "الشياط" تلك - التي تنتج في لغتنا عن الغفلة
عن الشيء فوق النار حتى يحترق - كانت تجسيداً للمناخ السياسي الخانق الذي كبّل
البلاد. ورغم سوء الظروف الحالية، إلا أنني لاحظت بعد فبراير أن تلك الرائحة
الثقيلة لم تعد موجودة بنفس الكثافة، وكأن هواء المدن يتنفسُ بآلامنا وآمالنا.
إن غياب هذه الروح في الأعمال
المعاصرة جعلنا لا نستدل على هويتها إلا من خلال "توقيع" المبدع، لنعلم
بالتقصي في اسمه لا بالإحساس بفعله أنه ليبي المولد والنشأة. فالمبدع الذي لا يشم
"شياط" مدينته، ولا يلتقط ذبذبات الصوت في صحرائه، ولا يمزج ضوءه
بخصوصية ضيائنا، سيظل عمله صامتاً، وسيبقى مغترباً عن تربته وإن وُجد فوقها.
الخلاصة
نستنكه روح المكان
حينما نتوقف عن معاملته كـ "موقع بناء"
أو "خلفية رسم"، ونبدأ بمعاملته كـ "شريك في الوجود". روح المكان هي
"المسك" الذي يفوح من الجليس (العمل الإبداعي) دون أن يحتاج الجليس لقول
"أنا أحمل المسك".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق