جمال الهمالي اللافي
العمارة
ليست مجرد بناء أو شكل هندسي، بل انعكاس لمعادلات اجتماعية وثقافية واقتصادية
وسياسية. إنها مرآة تكشف عن أمراض المجتمع كما تكشف عن طموحاته، وتترجم علاقته
بجذوره أو اغترابه عنها. لذلك فإن أي نقاش معماري جاد لا بد أن يتجاوز الأعراض
الظاهرة إلى الأسباب الكامنة التي تُنتج الظواهر، ليصبح النقد فعلًا علاجيًا،
يستأصل عوامل المرض.
فكما لا
يكتفي الطبيب بوصف الحمى أو السعال، بل يبحث عن الجرثومة والعوامل التي سمحت لها
بالانتشار، كذلك ينبغي للفكر النقدي أن يتجاوز سطح الظواهر إلى جذورها. في
المعمار، لا يكفي أن نرفض شكلاً أو نحتفي بآخر، بل علينا أن نتساءل: ما الذي دفع
إلى ظهوره؟ ما البيئة التي سمحت له بالنمو؟ وما السياقات التي جعلت حضوره ممكنًا؟
بهذا المعنى يصبح النقد فعلًا علاجيًا، لا مجرد إدانة أو ثناء.
ومن هنا،
فإن النقاش الجاد لا بد أن يتناول الأسباب التي تُنتج الظواهر لا مجرد مظاهرها.
ولعل أبرز الأسئلة التي تستحق الطرح:
- كيف
يؤثر تكوين المعماري المغترب في صياغة عمارة بعيدة عن جذورها، وما السبل
لمواءمة هذه المؤثرات مع خصوصية المجتمع؟
- كيف
تؤثر التشريعات العمرانية، سواء تلك المستوردة من التجربة الفرنسية عبر مصر
أو الناتجة عن التحولات السياسية المعاصرة، في توجيه ملامح البناء؟ وهل
تُستخدم هذه التشريعات أحيانًا كأداة لإظهار السلطة أكثر من كونها استجابة
لحاجات المجتمع؟
- ما
الدور الذي يلعبه الإعلام في ترسيخ التفاهة والسطحية، وكيف يمكن أن يتحوّل
إلى أداة لرفع الوعي النقدي تجاه القضايا المصيرية؟
- كيف
يمكن للتربية الأسرية أن تغرس الانتماء للجذور والإحساس بالمسؤولية، بدلًا من
أن تترك فراغًا يُملأ باللامبالاة والنرجسية؟
- ما
أثر السياسات الاقتصادية في تشكيل الذائقة المعمارية، وهل يُسهم منطق السوق
والربح السريع في إنتاج عمارة بلا هوية؟
- إلى
أي مدى يمكن للضغوط الاجتماعية والاقتصادية أن تُعيد تشكيل أولويات المعماري،
بين الالتزام بالقيم والبحث عن فرص البقاء في السوق؟
هذه
الأسئلة لا تُقدّم أجوبة جاهزة، بل تفتح المجال أمام حوار معماري عميق، يستمد
أهميته من خطورة تأثير هذه العوامل على المنتج المعماري. فالنقد الحقيقي لا يفرض
أجندة، بل يثير تساؤلات تكشف البذور والتربة التي أنبتت الظواهر، ليعيد للعمارة
صدقها مع ذاتها ومع الناس.
الخاتمة
هكذا
يصبح النقاش المعماري بحثًا في الأسباب لا في النتائج، في البذور لا في الثمار،
وفي التربة التي تُنبت الظواهر لا في أوراقها المتساقطة. إن النقد الذي يذهب إلى
الجذور يفتح الطريق أمام علاجٍ أعمق، وبناءٍ أكثر صدقًا مع ذاته ومع المجتمع،
ويحوّل الحوار من سطحية الأعراض إلى عمق العوامل المنتجة، ليجعل من العمارة فعلًا
حيًا يعبّر عن واقع الناس وطموحاتهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق