أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

السبت، يناير 17، 2026

من خديعة الدوبلكس إلى اغتراب الخليجي: رحلة التيه في المعمار الليبي

 قراءة في انكسار الهوية المعمارية بين استيراد الأنماط وعشوائية الرؤية


جمال الهمالي اللافي

إن البيت الذي نعتزم توريثه للأحفاد اليوم ليس "البيت الليبي"، بل هو "الهجين الخليجي" الذي استوطن رغباتنا قسراً. نحن اليوم نكرر خطيئة "الدوبلكس" الذي وُلد غريباً ومات مشوهاً؛ تلك المرحلة التي استمرأت الفوضى كسياسة لتدمير الذات وتغريب الهوية المعمارية.

أولاً: جرد الحساب.. من سطوة "الوافد" إلى "خطيئة الدوبلكس"

في السبعينيات، سقطنا في فخ "الدوبلكس". ذلك النموذج الذي جاءنا محمولاً على أكتاف المقاولين السوريين و"المساحين" المتطفلين، ليفرض شفراته الخرسانية وسلالمه الخارجية كعنصر هجومي على واجهات مدننا. لقد كان الدوبلكس أول إعلان عن انحسار القيمة الفكرية للمعماري الليبي أمام سطوة "المقاول الدخيل".

تأملوا بقاياه اليوم في شوارع طرابلس؛ جثث خرسانية صماء مغطاة بطلاء "الجرافيكي" الخشن وألوانه القاتمة التي لا تمنح العين راحة ولا تعكس ضياء شمسنا المتوسطية. هذه الواجهات لم تكن تصميماً، بل كانت "ساتراً" يفصل الإنسان عن بيئته. لقد كان "الأسطى" الوافد يصبُّ غربته في قوالب خشبية، بينما يدفع المواطن الثمن ظناً منه أنه يواكب العصر، لينتهي الأمر بجرافات "الكاشيك" وهي تلتهم تلك الكتل لأنها لم تمتلك يوماً مقومات البقاء أو احترام المناخ.

ثانياً: تكرار المأساة.. الهوس الخليجي وانحسار الذات

اليوم، يعاد إنتاج المسرحية بذات الفصول وبأبطال جدد، حيث يتكرر المشهد بصورة أكثر قسوة عبر "النمط الخليجي" الذي يغزو الاستثمار العقاري وذائقة المرأة الليبية. إنه "آخر انحسار للذات"، حيث نهرب من هويتنا لنستعير هوية أخرى لا تتناسب مع جغرافيتنا ولا اجتماعنا.

·     انحسار "الأسطى" وفقدان سر الصنعة: تحول مفهوم "الأسطى" اليوم إلى عمالة وافدة تفتقر للتقييم والمحاسبة، مما حول البيت من "كيان روحي" إلى "منتج عقاري".

·     عَمَه الرؤية والحصار: إن غلق المنافذ أمام الكفاءات المغاربية وغياب المنافسة الوطنية خلق حالة من التبعية لنمط يُروّج له كدليل رفاهية، بينما هو في العمق تصدع فكري يعمق ضياع البوصلة.

·     البيت كمختبر للقدر: وفق رؤيتنا الفلسفية، فإن الأرض هي مختبر تُصاغ فيه المصائر. فإذا كان "الأسطى" الليبي القديم يبني بفطرته المرتبطة بالأرض، فإنه كان يضع لبنة في سجل مدننا الخالد. أما اليوم، فبات البناء مجرد "تكرار للغش" المقنن، مما يجعل بيوتنا تفتقر للرتبة الروحية التي تؤهلها لتكون جزءاً من "التوسع" المعماري في السماء.

ثالثاً: أسئلة معلقة للمعماري الليبي

أوجه سؤالي لزملائي المعماريين: هل تعتقدون أن هذه التصاميم التي تُنسخ من شاشات الإنترنت لترضي ذوقاً عاماً مشوشاً ستصمد أمام اختبار الزمن؟

·         لماذا نجح جيل الثمانينيات والتسعينيات في استعادة بعض الهيبة للمعماري، بينما يتراجع جيل اليوم أمام سطوة "المستثمر" و"الذوق المستورد"؟

·         أين هي "البصمة الليبية" التي تتجاوز الشكل لتصل إلى كفاءة وظيفية ومناخية تعكس ثقافتنا الأصيلة؟

إن البيوت التي لا تُبنى بوعي معماري يربط الأرض بالسماء، والداخل بالخارج، هي بيوت مؤقتة مهما بلغت تكلفة خرسانتها.

الخلاصة: نحو صحوة الهوية

إن هذه المقالة هي صرخة لإيقاظ الوعي؛ فالمعمار هو "سجل المدن" الخالد، وبناء بيوت لا تشبهنا هو بناءٌ لسجل الاغتراب لا الأصالة.

حان الوقت لنعيد الاعتبار لـ "الأسطى الليبي" وللمعماري المثقف، لنبني بيتاً يليق بأحفادنا؛ بيتاً جذوره في ترابنا وسقفه يعانق هويتنا الثقافية. فالبيت الذي لا يملك القدرة على التحول إلى "بيت جد" تحتضنه الذاكرة، لا يستحق عناء البناء. يا أخي المعماري، كن حارساً للذاكرة ولا تكن مجرد صدى لأنماط ستسحقها جرافات التاريخ غداً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...