أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، يناير 30، 2026

المثقف "المُجالد": بين حصانة القلعة وصفاء الفناء


جمال الهمالي اللافي

في مناخ فكري يتسم بالسيولة وتطبيع القبح، لم يعد يكفي المثقف أن يكون "بنّاءً" يكتفي بوضع الحجر فوق الحجر؛ بل استوجب عليه أن يكون "مُجالدًا". إن المثقف المُجالد هو ذلك الذي يدرك أن طرح الفكرة في واقع مشوه هو نوع من الاشتباك الوجودي، حيث لا يُبنى النص إلا بصبر المرمم وصمود "قلعة مرزق" في وجه عواصف النسيان.

أولاً: المُجالدة كفعل "حصانة" لا "وظيفة"

على النقيض من "المثقف الوظيفي" الذي يقتات على الأطروحات المعلبة، يبرز المثقف المُجالد ككيان عصي على الاستباحة. إنه يستمد "جلادته" من عمق التكوين، فلا يقبل بأنصاف الحلول المعمارية أو الفكرية. هو الذي يرى في "منسوب الطريق" قضية مبدأ، وفي الحفاظ على الواجهة التاريخية معركة هوية، مدركاً أن أي تنازل هو تصدع في جدار القلعة الكلي.

ثانياً: ترميم الوعي في مواجهة "تطبيع القبح"

تتجلى "مُجالدة" المثقف في قدرته على كشط طبقات الزيف عن روح المدينة والإنسان. إنه يرفض التعايش مع القبح البصري والمعرفي، ويمارس عملية "ترميم" مستمرة للذاكرة. هذه المُجالدة ليست ترفاً، بل هي فعل مقاومة يومي يهدف لاستعادة "وضوح القيمة"، تماماً كما يُجالد المعماري قسوة المادة لِيُخرج منها فضاءً إنسانياً يليق بكرامة الساكن.

ثالثاً: ثنائية "المنعة" و"الإشراق"

إن سيرة المثقف المُجالد تتلخص في التوفيق بين نموذجين: "القلعة" في مواقفها الخارجية الصارمة التي لا تقبل المساومة على الأصالة، و"الفناء الطرابلسي" في فضائه الداخلي المنفتح على السماء. هو حصين من الخارج ضد الجهل والفساد، لكنه "مُجالد" في الحفاظ على صفاء رؤيته العمودية، حيث يربط تفاصيل "الحوش" الأرضي باتساع "السجل الحضري" السماوي.

رابعاً: الإنصاف في حضرة الجلادة

إن النقد الصارم هو الوقود الحقيقي للمثقف المُجالد؛ فهو لا يستجدي المديح الذي يورث الاسترخاء، بل يبحث عن "الإنصاف المتمترس بالقسوة" لِيُقوّم اعوجاج البناء. إن كل "بصيص نور" ينفذ من "منفس" الفكر هو نتيجة لمُجالدة طويلة مع العتمة، وهو ما يمنح مشروعه المصداقية والموضوعية التي تفتقر إليها التماثيل الإعلامية الهشة.

الخلاصة:

المثقف المُجالد هو الذي لا يضع سلاحه (المسطرة والقلم) حتى في أكثر الظروف قسوة. إنه يدرك أن بناء "البيوت" في السماء يتطلب "صمود القلاع" على الأرض، وأن إرثه الحقيقي ليس في عدد ما كتب، بل في حجم ما "جالده" وصمد فيه دفاعاً عن الجمال والحقيقة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...