جمال الهمالي اللافي
العمارة
ليست مجرد جدران تُبنى ولا مخططات تُنفذ، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من الرؤية
الفكرية وتنتهي عند تفاصيل التنفيذ. وفي هذه المنظومة، تظل مسألة العمالة الفنية
إحدى أكثر القضايا حساسية، لأنها تمثل الجسر بين الفكرة المرسومة على الورق
والواقع الملموس في المدينة.
لقد اخترت
أن أكتفي بدوري كمعماري في التصميم والإشراف على التنفيذ والتشطيب والتأثيث،
تاركاً جانب المقاولات واستجلاب العمالة خارج نطاق عملي. هذا القرار لم يكن
اعتباطياً، بل جاء بعد خيبة أمل في تجارب مع مقاولين ليبيين سعيت من خلالها إلى
إعادة الاعتبار للمقاول المحلي، لكن النتائج لم ترتقِ إلى مستوى الرؤية التي أطمح
إليها.
من هنا،
أصبحت مرحلة التصميم بالنسبة لي أكثر من مجرد رسم هندسي؛ إنها لحظة استباقية أضع
فيها كل الاحتمالات التي قد تواجه المشروع، بالتنسيق مع الاختصاصات الهندسية
والتصميمية، حتى لا يترك التنفيذ رهينة الصدفة أو الارتجال.
أما
المفاضلة بين العمالة المغاربية والمصرية، فهي ليست حكماً مسبقاً، بل خلاصة تجارب
ميدانية يعرفها كل من خاض تجربة بناء بيته أو مشروعه. فقد تميزت العمالة المغربية
والجزائرية، ثم التونسية، بأخلاقيات الحرفة والانضباط السلوكي، وهي سمات افتقدتها
العمالة المصرية في الظروف الحالية التي تمر بها البلاد. هذه ليست أحكاماً مطلقة،
بل انعكاس لواقع خبرة متكررة في السوق الليبي.
ومع ذلك،
لا أملك عمالة خاصة بي، لا مغاربية ولا مصرية، لأن عملي يقتصر على التصميم
والإشراف. ما أحرص عليه هو أن تكون التصاميم التي أقدّمها مستوفية للدراسة من جميع
الجوانب: الكلفة الاقتصادية، الهوية المعمارية، كفاءة الوظائف الفراغية، والحماية
البيئية. هذه الاعتبارات تُدرج منذ مرحلة التصميم، بالتنسيق مع الاختصاصات
الهندسية، قبل أن يبدأ التنفيذ. لذلك قد تتخلل المشاريع فترات توقف طبيعية، هدفها
ضمان جودة التنفيذ لا تعطيله. هذا التوجه قد لا يلقى قبولاً واسعاً لدى بعض
المقاولين والعمالة الباحثة عن سرعة الإنجاز والانتقال من مشروع إلى آخر، لكنه
بالنسبة لي شرط أساسي لحماية العمارة من الرداءة ومنحها صفة الديمومة.
إن رفضي
لبعض العمالة ليس تجنياً عليها ولا محاباة لغيرها، بل إقرار بواقع خبرة ممارسة
ميدانية. فالعمارة الليبية اليوم لا تحتاج فقط إلى تصاميم أصيلة تستمد هويتها من
جذورنا، بل إلى منظومة تنفيذية تحترم أخلاقيات الحرفة وتلتزم بالانضباط. الفارق
بين الجودة والرداءة، وبين الانضباط والعبث، هو ما يحدد مصير أي مشروع معماري.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق