أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، يناير 14، 2026

غياب المعلم الملهم… حين يُجبر التلميذ أن يكون معلم نفسه


جمال الهمالي اللافي


المقدمة

    التعليم ليس أوراق اعتماد ولا سنوات على مقاعد الدراسة، بل هو فعل وجودي غايته تكوين الإنسان القادر على الفهم والممارسة والإبداع. هذه الغاية لا تتحقق إلا حين تُبنى العملية التعليمية على أيدي أصحاب الخبرة العملية، فهم الأصل الذي تنبثق منه الممارسة التعليمية الحقيقية. أما حين تُوكل منابر التعليم إلى من يفتقرون لأصول المهنة وأدواتها، ويحتلون مواقع التدريس فقط لأنهم يحملون شهادات نظرية تُسمى عليا، فإن ما يحدث لا يمثل أي صلة بالتعليم، بل يتحول إلى مناهج عقيمة تسرق أعمار المتعلمين وتُخرّج جاهلين لا مؤهلين.

من المعلم الوظيفي إلى المعلم الملهم: جوهر الفارق في العملية التعليمية

    البعض يفترض أنه من البداهة أن يكون لكل متعلم معلمٌ ملهم تتلمذ على يديه في مجاله، ويرى من الغرابة أو حتى من الغرور أن يُنكر وجوده في مسيرته. غير أن هذا الافتراض يحتاج إلى مراجعة، لأنه يعكس ثقافة اجتماعية أكثر مما يعكس حقيقة تعليمية.

    في مسار العملية التعليمية التخصصية، هناك معلمون يؤدون وظيفة التعليم كارتزاق أو كمطلب اجتماعي، لا يشغلهم سوى أن تسير الأمور على هواهم. لا يلتفتون إلى تنوع المهارات، ولا إلى اختلاف أساليب التلقي عند تلاميذهم، ولا إلى فوارق التميز بينهم. وفي النهاية، لا يبالون بطبيعة المنهج الذي يلقنونه ولا بعلاقته بالواقع المحلي، ولا بالنتائج العملية التي تترتب على أساليب تدريسهم.

    أما المعلم الملهم، فهو مسألة مختلفة تماماً، تستحق الوقوف عندها للتعرف على صفاته ومقوماته ومناهجه ومنجزاته الفكرية والعملية. المعلم الملهم هو من:

  • يربط المعرفة بالواقع المحلي ويجعلها جزءاً من حياة المتعلم لا مجرد مادة نظرية.
  • يحترم اختلافات المتعلمين ويعاملها كفرص للتنوع والإثراء لا كعوائق.
  • يشعل الفضول ويحوّل الدرس إلى تجربة وجودية، يتجاوز بها حدود التلقين إلى فضاء الإبداع.

    غياب هذا المعلم يفرض على التلميذ أن يتحول إلى معلم نفسه، فيبحث ويجرب ويعيد صياغة معرفته عبر الممارسة المباشرة. هنا تصبح التجربة العملية هي المعلم الأصدق، لأنها تضع الطالب أمام مواجهة مباشرة مع الواقع، مع الأخطاء والنجاحات، وتجعله يبني خبرته الخاصة من معترك التجارب.

    ويجب أن يُقال بوضوح إن غياب المعلم صاحب الخبرة العملية والممارسة التطبيقية عن المؤسسات التعليمية، وغياب الجانب التطبيقي عن المناهج، هو ما أفرز غياب المعلم الملهم. فالمؤسسات التي تكتفي بالتلقين النظري وتُهمل التجربة الحية، تُنتج معلمين بلا أثر، وتترك المتعلم في فراغ لا يملؤه إلا التتلمذ الذاتي.

    المعلم الملهم ضرورة في مسيرة التعلم، لأنه يفتح أبواباً لا تُفتح بغيره، ويختصر الطريق نحو المعرفة الحقيقية. لكن حين يغيب، يخسر التلميذ سنوات طويلة على مقاعد الدراسة النظرية التي لا تمنحه سوى أوراق اعتماد شكلية، ثم يخسر سنوات أخرى في محاولاته لاكتساب الخبرة من الممارسة العملية بعد التخرج. وهكذا يتأخر نضج الخريجين وتأخر استفادة المجتمع منهم، في حين كان المفترض أن يكون عطاؤهم جاهزاً بمجرد تخرجهم، لا بعد أعوام من السعي المضني لاكتساب الخبرة، وأعوام ضاعت في قاعات الدراسة بلا ثمرة عملية.

الخاتمة

    غياب المعلم الملهم ليس مجرد نقص في العملية التعليمية، بل هو فراغ في الذاكرة الثقافية، وانقطاع في السلسلة التي تربط المعرفة بالحياة. حين يغيب، يجد التلميذ نفسه وحيداً أمام أسئلة الوجود، يجرّب ويخطئ ويعيد بناء ذاته من رماد التجربة. لكنه في هذه الرحلة القاسية يكتشف أن التعلم ليس أوراقاً ولا شهادات، بل هو مواجهة مع العالم، وصراع مع العجز، وولادة متكررة للذات الباحثة عن المعنى.

    المعلم الملهم، حين يحضر، يختصر على التلميذ سنوات من التيه، ويمنحه البوصلة التي تقيه ضياع العمر في قاعات بلا ثمرة. وحين يغيب، يصبح الزمن هو الثمن، والخبرة هي المعلم، والرحلة هي الدرس. وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً: هل نرضى أن يظل أبناؤنا أسرى هذا الغياب، أم نعيد للتعليم جوهره بعودة المعلم الحق، الذي يوقظ العقول ويصون الأعمار من الضياع؟

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...