أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، يناير 16، 2026

الإضاءة والهوية: كيف يستعيد البيت الليبي روحه عبر تفاصيل الضوء

هذه إعادة رسم لفانوس وجدته على سطح أحد المساجد التقليدية التاريخية.
الأصل فُقد في أحد الورش التي توقعت أنها ستقوم بتنفيذ نماذج أخرى منه.


جمال الهمالي اللافي

مقدمة

في زمن تتسارع فيه موجات الاستيراد وتغزو الأسواق منتجات بلا ذاكرة، تظل الإضاءة في البيت الليبي المعاصر أكثر من مجرد وظيفة تقنية. إنها عنصر معماري وثقافي يعكس الهوية، ويعيد للبيت روحه حين تُصنع بأيدٍ ليبية أو بأيدٍ من الجوار الثقافي القريب. هذه المقالة تناقش كيف يمكن للإضاءة أن تتحول من سلعة إلى مشروع حضاري، يربط بين المعمار والهوية، بين الحرفيين والمعماريين، وبين الربح المعنوي والاقتصادي.

الإضاءة كعنصر معماري

الإضاءة ليست تفصيلاً ثانوياً في العمارة، بل هي لغة بصرية تحدد علاقة الإنسان بالفراغ. توزيع المصابيح والفوانيس والثريات داخل البيت يخلق إيقاعاً جمالياً، ويؤثر في إدراك المساحات، ويعزز الانسجام بين الأثاث والمواد الأخرى. البيت الذي تُوزع فيه الإضاءة بعناية يصبح أكثر دفئاً وحميمية، بينما البيت الذي تُركّب فيه قطع متنافرة أو مستوردة بلا رؤية يفقد تماسكه البصري. لذلك فإن التفكير في الإضاءة يجب أن يكون جزءاً من التصميم المعماري منذ البداية، لا مجرد إضافة لاحقة.

البعد الثقافي والهوية

الإضاءة ليست مجرد مصابيح تُعلّق في السقف أو فوانيس تُثبت على الجدران، بل هي ذاكرة مضيئة تحمل ملامح المكان. حين يصنع الحرفي الليبي فانوساً من النحاس أو ثريات من الزجاج الملوّن، فإنه لا يقدّم قطعة إنارة فحسب، بل يكتب سطراً جديداً في كتاب الهوية المعمارية. هذه القطع الصغيرة تستحضر تاريخ الأسواق القديمة في طرابلس وبنغازي ودرنة، حيث كانت الحرف اليدوية جزءاً من الحياة اليومية. وعندما نفتح الباب أمام الحرفيين المغاربيين والمتوسطيين، فإننا نضيف طبقات من التاريخ المشترك، دون أن نفقد خصوصيتنا الليبية.

البعد الاقتصادي والاجتماعي

البيت الذي يضيء بفانوس محلي الصنع لا يضيء فراغاته فقط، بل يضيء حياة صانعه أيضاً. تصنيع الإضاءة محلياً يعني فرص عمل جديدة، يعني أن الشاب الذي تعلم طرق تشكيل المعدن أو الزجاج يجد مكاناً له في السوق، ويعني أن الاقتصاد الوطني يربح من دورة إنتاجية متكاملة. الربح المعنوي هنا هو الأساس: أن يشعر المجتمع بأن بيته يعكس هويته. ومن هذا الربح المعنوي يولد الربح المادي كنتيجة طبيعية، إذ تتحول الصناعة المحلية إلى قطاع قادر على المنافسة، ويصبح البيت الليبي نموذجاً يُحتذى في الجمع بين الأصالة والحداثة.

الإضاءة والروح المعمارية

الروح لا تُشترى ولا تُستورد. هي التي تجعل من ثريا معلقة في غرفة الجلوس أكثر من مجرد مصدر ضوء، وتجعل من فانوس في مدخل البيت علامة ترحيب تحمل دفء المكان. هذه الروح تنبع من التفاصيل التي تُصنع بأيدٍ تحمل ذاكرة ليبيا، من الحرفيين الذين يضعون جزءاً من حياتهم في كل قطعة. البيت الذي يكتفي بالاستيراد قد يكون أنيقاً، لكنه يظل بلا ذاكرة. أما البيت الذي تُصاغ تفاصيله بروح محلية، فإنه يصبح بيتاً نابضاً بالحياة، بيتاً يروي قصة أهله ومجتمعه.

دعوة عملية

إننا أمام فرصة لإطلاق مشروع حضاري مشترك:

  • المعماريون: أن يدمجوا الإضاءة المحلية في مشاريعهم منذ مرحلة التصميم، لتكون جزءاً من هوية البيت لا مجرد إضافة لاحقة.
  • التجار: أن يمنحوا المنتجات المحلية مساحة في السوق، وأن يعرضوها بجانب المستورد، ليصبح الاختيار متاحاً للجمهور.
  • الجمهور: أن يقدّر قيمة الإضاءة المحلية، وأن يختارها باعتبارها جزءاً من هويته، لا مجرد سلعة.

خاتمة

    الإضاءة في البيت الليبي المعاصر ليست مجرد وظيفة تقنية، بل هي مشروع حضاري يعيد للبيت روحه ويمنح المجتمع هويته. حين نستعيد هذه الهوية في تفاصيل البيت، من الإضاءة إلى الأثاث والنباتات، نحقق الربح المعنوي الذي يسمو بنا جميعاً، ويأتي الربح المادي كنتيجة طبيعية. البيت الليبي يحتاج إلى ضوء يصنعه أبناؤه، ضوء يحمل ذاكرة المكان ويعيد للمعمار أصالته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...