أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

السبت، يناير 10، 2026

العمارة بين رصانة التأسيس وجناية الانفلات

 


جمال الهمالي اللافي

لطالما كانت الحواضر التاريخية ومعالمها المعمارية تجسيداً لقيم الرصانة التي يغلفها الإبداع في أسمى تجلياته. لم يكن هذا الوقار المعماري وليد الصدفة، بل كان نتيجةً لوعيٍ جمعيٍ ومؤسسيٍ صارم، يعتبر الحرمة المعمارية خطاً أحمر لا يُسمح للعابثين بانتهاكه. كانت العمارة، بصفتها مرآةً للحضارة، تُبنى لتبقى، وتُصمم لتُحترم.

إلا أن التحولات التي طرأت مع عمارة الحداثة وما تلاها لم تكن، في جوهرها، إلا خروجاً عن هذا النطاق الرصين وانفلاتاً للأمور عن نصابها الصحيح. لقد شهدت هذه الحقبة سيطرة "الغوغاء" على مفاصل القرار المعماري، حيث فُتح الباب لسطوة النفوذ لتعيد صياغة هوية المدن وفق أهواءٍ عابرة، بعيداً عن القواعد الراسخة. وفي محاولة لتبرير هذا التشويه، انبرى "سفهاء العقول" لتزييف الوعي وإضفاء صبغة من المثالية الزائفة على مبانٍ تفتقر للروح والاتزان.

إننا نعيش اليوم مرحلةً يُحارب فيها مفهوم "الجودة" ويُمنع من العودة، في توازٍ مخيف مع الممانعة التي يبديها الفاسدون لعودة النظام والقانون. فالمعادلة واضحة: النظام والجودة يمثلان التهديد الحقيقي لكل من يقتات على العبث والفساد. إن استعادة الهوية المعمارية والاجتماعية تتطلب اليوم وقفةً حازمةً تتبنى منطق القصاص العادل؛ فالمعماري العابث الذي لوث بصر الأجيال واستهان بهوية المدن، يجب أن يُحكم على مشاريعه بالهدم كفعل تطهيري.

وفي المقابل، فإن المفسدين من اللصوص والمجرمين، سواء كانوا من عامة الناس أو من ساسةٍ استغلوا نفوذهم لنهب المقدرات، لا بد أن يواجهوا العقوبة القصوى المتمثلة في الإعدام. إن الحزم في استئصال القبح المعماري والفساد السياسي هو السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار للمدينة وللمجتمع على حد سواء، فلن يستقيم البناء إلا إذا طُهرت الأرض من العابثين بمقدراتها وهويتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...