أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، يناير 02، 2026

المعماري بين هيبة "الملك" وعزلة "المُهمش": جذور السقوط في فخ القبح



جمال الهمالي اللافي

مقدمة من ذاكرة الدهشة:

    في مطلع الثمانينيات، وفي مشهدٍ يختصر الفجوة الحضارية بين وعيين، استضافت أختي (بصفتها رئيسة قسم تعليم الأجانب اللغة العربية) مجموعة من طالباتها الغربيات من جنسيات مختلفة، ألمانيات وفنلنديات وغيرهن. كان لقاءً بروتوكوليّاً عادياً حتى اللحظة التي عُرّفتُ فيها كطالب في قسم العمارة؛ حينها، حدث ما لم يكن في الحسبان. لمعت أعينهن جميعاً، وصدرت عنهن حركة وقار موحدة وكأنني "شخص غير عادي" يقف أمامهن. وعند سؤالهن عن سر هذا الانبهار، أتى الجواب بصوت واحد: "مكانة المعماري في بلادنا بمثابة الملك".

    هذه اللمعة لم تكن مجرد تقدير لمهنة، بل كانت انعكاساً لوعي شعوب تدرك أن المعماري هو "حارس الجمال" ومنظم الوجود. لكن، وبكل أسى، نجد هذا "الملك" في واقعنا العربي قد أُسقط من عرشه ليحل محله نجوم الطرب والتمثيل.

واقع التهميش العربي:

    بينما يُتوج المعماري مَلِكاً في الغرب، نجد مقامَه في عالمنا العربي قد أُسقط في حضيض التهميش. وكما يشير المعماري المصري عبد الواحد الوكيل، فإن وزارة الثقافة عندهم لا تولي اهتماماً بغير عالم الطرب والتمثيل. وأضيف عليها أنا المؤسسة الإعلامية بمنظوماتها المتعددة؛ إن التغطيات، والمهرجانات، والجوائز التقديرية تُنحر تحت أقدام "الفن الاستهلاكي"، بينما يُحرم المعماريون والمصممون والمهندسون حتى من "طرف العين" المؤسسي.

المحاور التحليلية للأزمة:

1. المؤسسة الرسمية و"تطبيع القبح"

    هذا التحيز المؤسسي ليس مجرد خطأ إداري، بل هو المحرك الأساسي لما أسميناه سابقاً "تطبيع القبح". فعندما يُغيب المعماري عن المشهد، تفقد الحواس بوصلتها، ويصبح القبح العمراني هو "المألوف" الجديد، وتتحول مدننا من مشاريع حضارية إلى عشوائيات ومبانٍ من صفيح.

2. غياب "الجليس الصالح" للمدن

    بالإسقاط على الحديث الشريف: "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير"، نجد أن المعماري في الغرب هو حامل المسك الذي يحظى بتقدير الملوك لأن أثره يفوح في كل شارع وزاوية. أما في مجتمعاتنا، فقد استُبدل هذا الجليس بصناع الترفيه العابر، فخسرنا "ريح الجمال" ووقعنا في "ريح التخلف" وبقايا تجارب الغرب المرفوضة، وهو ما يجسد تماماً أثر نافخ الكير الذي يحرق ثياب الهوية العمرانية.

3. المعماري والومضة الذهبية

    إن التفاوت الذي لمسته في عيون تلك السيدات يفسر أزمة "الومضة الذهبية" عندنا. الغرب يرى في العمارة صلة وصل بين الزمن والهوية، لذا يقدسون المعماري لأنه يمنحهم الاستمرار. أما نحن، فقد فصلنا بين "الزمن" و"الهوية"؛ فنحن نستهلك اللحظة في الطرب والتمثيل (الومضة العابرة)، ونهمش المعماري الذي يصنع "المكان" الدائم.

4. الانهيار الحضاري: من التخطيط إلى العشوائية

    هذا السقوط من "مقام الملوك" إلى "حضيض المهمشين" هو الذي يفسر لماذا تقف مدنهم كمخططات مدروسة، بينما تغرق مدننا في العشوائية. إنها أزمة قيم قبل أن تكون أزمة بناء:

·         في الغرب: المعماري يصنع مقومات الحضارة.

·         في الشرق: تهميش المعماري يرسخ مظاهر التخلف.

رسالة مفتوحة إلى "سدنة الثقافة" ومنظومات الإعلام: كفى تهميشاً لصنّاع الحضارة

    إن الفجوة التي تبدأ من "لمعة عين" سيدة غربية وتنتهي بـ "مباني الصفيح" في مدننا، ليست مجرد صدفة، بل هي نتاج سياسات إقصائية ممنهجة. لذا، نوجه هذه الرسالة إلى وزارة الثقافة والمؤسسة الإعلامية العربية:

1.   كفوا عن "تطبيع القبح" بمهرجانات الطرب: إن حصر مفهوم "الإبداع" في الحنجرة والتمثيل فقط هو قصر نظر حضاري. بينما تنفقون الميزانيات الضخمة على مهرجانات تنتهي بانتهاء التصفيق، تنهار مدننا بصرياً لأنكم غيبتم المعماري—"الجليس الصالح" للمدن—عن المنصات التقديرية.

2.   استعادة "مقام الملك" للمعماري: إن المعماري ليس تقنياً ينفذ الأوامر، بل هو "ملك" الفراغ وصاحب الرؤية السيادية على المكان. إن استمرار تجاهلكم لهذا الدور يحول مبدعينا إلى "مهمشين" يبحثون عن تقديرهم في الخارج، بينما تظل ساحاتنا العمرانية مرتعاً لعشوائية "نافخ الكير".

3.   العمارة هي "الومضة" التي لا تنطفئ: إذا كانت الفنون الأخرى تقدم متعة "اللحظة"، فإن العمارة هي الفن الذي يربط الزمن بالهوية. إنكم بتهميشكم للمعماري والمصمم، تكرسون حالة "الومضة الذهبية" المبتورة؛ حيث نعيش في زمن بلا هوية مكانية واضحة.

4.   نداء للتغيير قبل السقوط التام: إن المدن العشوائية التي تحيط بنا هي "شهادة إدانة" ضد كل مؤسسة أغمضت طرفها عن المعماري. المطلوب اليوم ثورة في الوعي المؤسسي تضع المعماري في مكانه الطبيعي؛ كقائد للتحضر ومصحح للمسار البصري.

خاتمة وخلاصة

    لقد أدركت تلك السيدات الغربيات في الثمانينيات ما لم تدركه مؤسساتنا حتى اليوم: أن هيبة المعماري من هيبة الوطن. إن تلك الحركة الموحدة التي صدرت عن السيدات الألمانيات والفنلنديات كانت اعترافاً صريحاً بالسيادة. وبدون استعادة هذه "السيادة" للمعماري العربي، وبدون أن تلتفت إليه المؤسسات الثقافية بتقدير حقيقي، سنبقى نعيش في "أخطاء التجربة" التي يرميها الغرب خلفه، ونظل نكرس القبح كواقع لا مفر منه، حتى نفقد آخر ما يربطنا بمفهوم الحضارة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...