جمال الهمالي اللافي
المقدمة
في مثل
هذا اليوم من عام 2017 نشرت مقالة على صفحتي بالفيسبوك ومدونتي الميراث حول غياب النقد المعماري
السوي في ليبيا. واليوم، بعد ثماني سنوات، أعيد طرح القضية لأن الموضوع لا يزال
يفرض نفسه بقوة في ظل غياب حركة نقدية جادة، رغم تنامي النشاط المعماري على مختلف
الأصعدة؛ من المحاضرات العامة والفعاليات الأكاديمية، إلى معارض مواد البناء التي
تصاحبها عروض لمكاتب معمارية، فضلاً عن الزخم الكبير من المشاريع التي تُنفذ على
أرض الواقع.
هذا الغياب ليس جديداً؛ فمنذ تأسيس قسم العمارة بجامعة طرابلس عام 1969، وظهور أولى المشاريع المنفذة لخريجيه، اتخذ النقد أشكالاً متباينة بين التهميش، الاستهانة، والتسفيه. هذه المقالة تسعى إلى إعادة طرح القضية اليوم، لتوضح ملامح التجربة النقدية في ليبيا، وتفتح أفقاً لتأسيس حركة نقدية سوية وبنّاءة، تكون صوتاً مكملاً للحراك المعماري، لا غناءً خارج السرب.
1.
النقد
بالتجاهل والتهميش
منذ أول
مشروع معماري نفذه خريج القسم (مثل مشروع المجمع السكني بزاوية الدهماني للطاهر
الزلوزي)، ظهر جلياً أن النقد اتخذ شكل اللامبالاة. لم يُحتفَ بهذه المشاريع، لم
تُوثَّق، ولم تُسجَّل كسوابق معمارية ليبية. هذا التجاهل شكّل حالة نقدية هدامة،
إذ رسّخ ثقافة الصمت والاكتفاء بالحديث عن تجارب عالمية دون الالتفات إلى الواقع
المحلي.
2.
النقد
بالاستهانة والإنكار
ظهر نوع
آخر من النقد في كتابات بعض المعماريين الذين تعاملوا مع العمارة الليبية وكأنها
بلا محاولات للتجديد أو التأصيل. تجاهل هؤلاء جهوداً موثقة منذ التسعينيات، من كتابات
ومقالات نشرت في مجلة آثار العرب، ثم في جريدة الشط
ومجلة مربعات. هذا
النوع من النقد يخلق فراغاً وهمياً ويُقصي تاريخاً نقدياً موجوداً بالفعل.
3.
النقد
بالتسفيه والاتهام بالتقليد
محاولات
التأصيل للعمارة الليبية وُصمت بالتقليد دون تحليل موضوعي. لم تُقرأ هذه الأعمال
قراءة متأنية تكشف مواطن التجديد ومكامن التقليد. النتيجة كانت انتقاصاً من جهود
جادة بدل تقييمها بإنصاف، وهو ما عطّل إمكانية تطوير خطاب نقدي متوازن.
دراسة
حالة: مشروع المجمع السكني بزاوية الدهماني
يُعد مشروع المجمع السكني بزاوية الدهماني، الذي صممه المعماري الطاهر الزلوزي (رحمه الله وغفر له)، مثالاً بارزاً على غياب النقد البنّاء باعتباره أول محاولة للتأصيل المعماري من طرفي خريجي قسم العمارة والتخطيط العمراني.
. من الناحية المعمارية: المشروع قدّم محاولة لتأسيس لغة تصميم حضرية حديثة في طرابلس، تجمع بين الوظيفة السكنية والهوية المحلية.
· من الناحية النقدية: لم يحظَ المشروع بأي تعليق أو توثيق، ولم يُسجَّل كسابقة معمارية ليبية رغم أهميته التاريخية.
· القراءة النقدية الممكنة: لو تم تناول المشروع بجدية، لكان بالإمكان تحليل مدى نجاحه في تحقيق التوازن بين الكثافة العمرانية والراحة السكنية، ومقارنته بتجارب مشابهة في المنطقة العربية. هذا النوع من النقد كان سيمنح المشروع مكانته ويؤسس لخطاب معماري محلي.
خصوصية
التجربة الليبية
النقد في
ليبيا اتخذ أشكالاً سلبية أكثر من كونه ممارسة بنّاءة. هذه الخصوصية تكشف عن
معوقات فكرية وأخلاقية حالت دون تأسيس حركة نقدية متماسكة. ومع ذلك، وجود هذه
الأنماط يعني أن النقد حاضر، حتى لو كان مشوهاً أو ناقصاً، وهو ما يستدعي إعادة
توجيهه نحو البناء لا الهدم.
الدعوة
الحركة
النقدية المعمارية في ليبيا موجودة بالفعل، لكنها لم تُؤرَّخ
بشكل منهجي ولم تُمارَس بروح الإنصاف. المطلوب اليوم هو:
- التوثيق: تسجيل المشاريع والكتابات النقدية كجزء من ذاكرة معمارية وطنية.
- التحليل الموضوعي: قراءة الأعمال بميزان الإنصاف، بعيداً عن التهميش أو التسفيه.
- المقارنة العالمية: وضع التجربة الليبية في حوار مع الحراك المعماري الدولي.
- الاعتراف بالجهود السابقة: البناء على ما أنجزه النقاد والمعماريون منذ عقود.
بهذا
يمكن للحركة النقدية أن ترتقي لتصبح أداة تطوير حقيقية، تواكب تطلعات المجتمع
الليبي وتدخل في حوار مع العالم.
الخاتمة
الحركة النقدية المعمارية في ليبيا ليست معدومة كما يُظن، لكنها تعاني من اختلال في منهجها؛ إذ اتخذت أشكالاً من التجاهل، الاستهانة، أو التسفيه، بدل أن تكون ممارسة بنّاءة تُحلّل وتُقيّم وتُوثّق. المثال الوحيد الذي استُحضر هنا – مشروع زاوية الدهماني – لم يكن لعرضه كموضوع نقد معماري بقدر ما كان شاهداً على غياب النقد السوي الذي يُعطي المنجز حقه ويضعه في سياقه التاريخي.
إن جوهر القضية ليس المشاريع ذاتها، بل غياب الحالة النقدية السوية التي تبني ولا تهدم، تعترف ولا تُقصي، وتؤرّخ بدل أن تُهمِل. المطلوب اليوم هو تأسيس خطاب نقدي ليبي متوازن، يقرأ الأعمال بإنصاف، ويضعها في حوار مع المجتمع والواقع العالمي، ليكون النقد أداة ارتقاء لا أداة تجاهل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق