جمال الهمالي اللافي
مقدمة
إن المسكن ليس مجرد جدرانٍ وأسقف، بل هو انعكاسٌ
ماديّ للمنظومة القيمية التي يحملها الإنسان تجاه نفسه وتجاه مجتمعه. وفي واقعنا
المعاصر، تحول المسكن الليبي في كثير من نماذجه من فضاءٍ للسكينة إلى منصةٍ للاستعراض،
مما يفرض علينا إعادة قراءة فلسفة البناء برؤيةٍ تفرق بين الثراء المادي الصاخب
وبين الثراء المعنوي الرصين.
1.
نقد الاستعراض الشكلي في الواجهات
تعاني كثير من المساكن الحديثة في ليبيا من انفصامٍ حاد بين
المضمون والشكل؛ حيث تزدحم الواجهات بتراكمات من "الكرانيش" والأعمدة
التي تُقحم في غير سياقها الوظيفي، ولا غاية لها سوى التباهي الطبقي. إن هذا
التوجه يمثل بذخاً مسرفاً يفتقد للمعنى ويُرهق الحواس، بينما تكمن الرصانة في
العودة إلى "صدق التعبير"؛ بحيث تكون الواجهة انعكاساً أميناً لوظيفة
الفراغ الداخلي واستجابةً حقيقية للمناخ المحلي، مما يخلق ثراءً بصرياً يمنح العين
والروح طمأنينة الاستقرار.
2.
المسكن كبيئة حاضنة للسكينة
إذا أسقطنا مفهوم الأثر الطيب على المسكن، فإن العمارة الرصينة هي
التي تمنح ساكنها راحة نفسية وهدوءاً يتجاوزان المظاهر. الثراء الحقيقي هنا لا
يُقاس بتكلفة الرخام المستورد، بل بـ "هندسة الضوء" وتطويع الشمس لتنساب
داخل الأفنية والغرف، وفي توزيع الفراغات التي تحترم خصوصية العائلة الليبية
وقيمها. هذا الأثر المعنوي للمكان هو ما يفتقده البذخ الصارخ الذي يهتم بما يراه
الآخرون لا بما يعيشه أصحاب الدار.
3.
فلسفة "التوازن" في التوزيع الفراغي
يتجلى الثراء الحقيقي في المسكن بذكاء استغلال المساحات وتحقيق
التوازن بين الحاجة الفعلية والمساحة المبنية. فبدلاً من إهدار المساحات في بناء
صالونات استقبال ضخمة تظل مغلقة ومعطلة طوال العام، يكمن الرقي في استبدالها
بفراغات مرنة تتصل بالطبيعة أو بفناء داخلي نابض. هذا هو التوازن الذي يجعل كل
زاوية في البيت حية ومستغلة، حيث تتحول العمارة من مجرد "أمتار مربعة"
صماء إلى بيئة سكنية تلبي احتياجات العائلة دون إسراف أو تقصير.
4.
المادة كجسر للهوية
إن الارتباط بالأرض الليبية يفرض بحثاً جاداً عن الجمال في المواد
التي تحترم البيئة وسياقها البصري. إن تكديس الواجهات بمواد متنافرة يؤدي إلى تشتت
البوصلة الحواسية وضياع الهوية. في المقابل، تعيد البساطة توجيه الحواس نحو ملمس
الحجر الطبيعي، وصفاء الجدران البيضاء التي تروض حدة الشمس، وتفاعل ظلال النخيل مع
الأسطح؛ وهذا هو جوهر الثراء الذي يربط المسكن ببيئته وتاريخه دون زيف أو افتعال.
ختاماً،
إن العودة إلى البساطة في المسكن الليبي ليست دعوةً للتقشف، بل هي دعوةٌ لاستعادة
'البوصلة الجمالية' التي فُقدت في ضجيج المظاهر. إننا بحاجة إلى عمارةٍ تتحدث
لغتنا، وتحترم شمسنا، وتُبنى على مقاس أرواحنا لا على مقاس أوهام الوجاهة
الاجتماعية. فالمسكن الحقيقي هو الذي يشيخ معك بكرامة، ويبقى أثره طيباً في ذاكرة
المكان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق