نصف قرن من الأكاديميات… بلا تيار فكري محلي
جمال
الهمالي اللافي
المقدمة
ليبيا
تمتلك أكثر من نصف قرن من الأكاديميات، لكنها ما زالت بلا مدارس فكرية تعكس
هويتها. نصف قرن من القاعات والامتحانات والبرامج المقررة، دون أن يولد تيار فكري
محلي يواجه أسئلة الواقع ويؤسس لرؤية جماعية. هذا الغياب لا يُعد مجرد نقص في
الإنتاج الأكاديمي، بل يكشف خللًا بنيويًا عميقًا في طبيعة هذه المؤسسات، حيث
تحوّلت الأكاديميات إلى مؤسسات للتلقين، لا إلى فضاءات للحوار والجدل. والسؤال الذي
يفرض نفسه هنا: لماذا لم تنجح الأكاديميات الليبية في إنتاج مدارس فكرية، بينما
أنتجت التجارب العالمية مدارس كبرى في الفلسفة والاجتماع والعمارة والفنون؟
المدرسة
كمفهوم
مصطلح
"مدرسة" في الفكر الأكاديمي لا يعني مؤسسة تعليمية، بل تيارًا فكريًا أو
جماعة علمية ذات رؤية مشتركة. عبر التاريخ، نشأت مدارس بارزة:
- الفلسفة : المدرسة الأفلاطونية، المدرسة الرواقية،
المدرسة الأشعرية في الفكر الإسلامي.
- العلوم الاجتماعية: مدرسة الحوليات في
التاريخ (فرنسا)، مدرسة شيكاغو في علم الاجتماع، مدرسة فرانكفورت في الفلسفة
النقدية.
- العمارة والفنون: مدرسة الباوهاوس في ألمانيا،
المدرسة الانطباعية في الرسم.
هذه
المدارس لم تُنشأ بقرار إداري، بل وُلدت من رؤية مؤسس أو جماعة فكرية، ومن سياق
اجتماعي وثقافي حيّ، سمح بتعددية التأويل والجدل، وأتاح للتلاميذ أن يطوروا الفكر
ويطبقوه في الواقع.
التجربة
الليبية: سلطة التلقين بدل الحوار
في
ليبيا، ورغم مرور عقود على تأسيس الكليات، لم تنشأ مدارس فكرية محلية. ويعود ذلك
إلى عاملين أساسيين:
· المناهج المقررة من الدولة: هذه
المناهج تُعتمد رسميًا وتُفرض كوحدات دراسية، لكنها في جوهرها تقوم على تاريخ
وتجارب نظرية وفكرية وتطبيقية مغتربة، مستوردة من الغرب. فهي تهمش الواقع المحلي
تاريخيًا وجغرافيًا وفكريًا وتطبيقيًا، ولا تعالج قضاياه الشائكة، بل تكتفي
باستنساخ ما ينتجه الغرب من نماذج معاصرة.
· الخلفية الأكاديمية للأساتذة: الأكاديميون
الذين يُسمح لهم بالتدريس في هذه المؤسسات هم غالبًا ممن حصلوا على شهاداتهم
العليا من جامعات غربية، وجاؤوا مشبعين بالفكر الذي تضمنته رسائلهم هناك. هذا
الفكر لا يُعرض كاجتهاد مستقل، بل يُسوَّق كمرجعية وحيدة، حتى وإن تعارض مع عقيدة
المجتمع أو مع حاجاته الفكرية والعملية.
مثال على
ذلك كتاب وجدته في بداية التسعينيات في مكتبة مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة
بطرابلس، ألّفه أحد أساتذة قسم الخدمة الاجتماعية في كلية التربية، تناول فيه
نظرية النشوء والارتقاء ودافع عنها في رسالته التي ضمنها هذا الكتاب. كنت أتوقع،
بحكم انتمائه إلى عائلة مسلمة، أن يدحض هذه النظرية، لكنني فوجئت بالعكس. وحين
ناقشت زملاء يعملون ضمن كادر المشروع وكانوا من طلابه، أخبروني أنهم كانوا يعترضون
عليه في قاعة الدرس، لكنه كان يرفض النقاش ويفرض على طلابه أن يجيبوا في
الامتحانات وفق ما ورد في كتابه، ومن يخالف يُرسب. هذا المثال يكشف كيف تُمارس
السلطة الأكاديمية كأداة حجر على الرأي المخالف، بدل أن تكون فضاءً للحوار.
النتيجة
أن الأكاديميات الليبية تحولت إلى برامج تعليمية للتخرج، لا إلى فضاءات لتأسيس
تيارات فكرية محلية، إذ يُجبر الطلاب على نقل المعلومة حرفيًا كما وردت في المنهج،
وكأن الأمر امتهان لقدرتهم على الاستيعاب والتحليل والتلخيص.
الباوهاوس:
الحرية داخل رؤية مؤسسية
على
النقيض، تُظهر تجربة مدرسة الباوهاوس (1919–1933)
أن المدرسة الفكرية تحتاج إلى
توازن بين الحرية والرؤية المؤسسية:
- الحرية الفكرية: الباوهاوس فتحت المجال
للتجريب، وكسر الحدود بين الفنون والحِرف، ودمج الفن بالحياة اليومية.
- الرؤية المؤسسية: في الوقت نفسه، وضع
مؤسسها والتر غروبيوس إطارًا صارمًا يقوم على الوظيفة والبساطة والدمج بين
الفن والصناعة. أي أن الحرية كانت مشروطة بخدمة فلسفة المدرسة.
هذا يوضح
أن المدرسة الفكرية لا تُبنى بقرار من الدولة أو بمناهج مستوردة، بل برؤية مؤسس وجماعة
تتفق معه، وتعمل على معالجة قضايا محلية أو إنسانية حقيقية. كما أن الدعم المؤسسي
(من بلدية فايمار ثم ديساو) منح الباوهاوس حضورًا معماريًا وفكريًا متكاملًا، فصار
المبنى نفسه جزءًا من هوية المدرسة.
مدارس أخرى:
فرانكفورت والحوليات
- مدرسة فرانكفورت: تأسست في معهد البحوث الاجتماعية بجامعة فرانكفورت عام 1923، بدعم
مؤسسي مكّن هوركهايمر وأدورنو وماركوز من تحويل النقد الفردي إلى تيار فكري
عالمي.
- مدرسة الحوليات: أسسها لوسيان فيفر ومارك بلوخ عام 1929 عبر مجلة أكاديمية، بدعم
من الجامعات الفرنسية، فتحولت إلى تيار عالمي في الدراسات التاريخية.
هذه
الأمثلة تؤكد أن المدارس الفكرية لا تنشأ من فراغ، بل من رؤية مؤسس وجماعة، ومن
دعم مؤسسي يحول الفكرة إلى كيان قائم.
أهمية
التتلمذ والدعم المؤسسي
التتلمذ
هو الشرط الذي يحوّل المدرسة من فكرة إلى تيار حيّ. فالرؤية المؤسسية تحتاج إلى
تلاميذ يترجمونها إلى واقع، وينشرونها، ويضمنون استمراريتها. في الباوهاوس مثلًا،
لم يكن غروبيوس وحده، بل أساتذة مثل بول كلي وفاسيلي كاندينسكي، وطلابهم الذين
جسّدوا الفلسفة في أعمال معمارية وفنية. وفي مدرسة فرانكفورت، استمر التلاميذ في
تطوير النظرية النقدية لعقود، بينما في مدرسة الحوليات طبّق التلاميذ المنهج
الجديد في كتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، مما رسّخ المدرسة عالميًا.
لكن في الحالة الليبية، غاب هذا الشرط تمامًا:
- لم
يكن هناك دعم مؤسسي يتيح للمفكرين تأسيس مدارس محلية، بل كانت الأكاديميات
مجرد هياكل إدارية تفرض مناهج مغتربة.
- لم
يُتح للتلاميذ أن يصبحوا حملة لرؤية محلية، بل جُعلوا ناقلين لمعارف مستوردة،
تُفرض عليهم دون نقاش.
- النتيجة
أن الأفكار لم تتحول إلى مدارس، بل بقيت مجرد مقررات للتخرج، بلا امتداد فكري
أو تطبيق عملي.
الخاتمة
غياب المدارس الفكرية في ليبيا ليس صدفة، بل نتيجة بنية أكاديمية مغتربة تقوم على التلقين والمناهج المستوردة، وتُقصي التفكير الحر وتمنع التتلمذ الذي يحوّل الأفكار إلى تيارات حية. وعلى النقيض، تُظهر التجارب العالمية أن المدارس الفكرية تولد من رؤية مؤسس ودعم مؤسسي يضمن لها الاستمرارية والانتشار. ويبقى السؤال: هل ستظل الأكاديميات الليبية مصانع شهادات، أم يمكن أن تتحول إلى فضاءات تُنجب مدارس فكرية تعيد للواقع المحلي صوته؟
التعليق على الصورة المرفقة:
ليست مجرد صور تاريخية… لوكوربوزيه في مرسمه مع تلامذته، وفرانك لود رايت محاطًا بطلابه، هما شاهدان على أن المدارس الفكرية لا تُبنى بالمناهج المستوردة ولا بالقرارات الإدارية، بل بالتتلمذ الحيّ حول رؤية مؤسس، وبجماعة تحملها إلى التطبيق والانتشار. في ليبيا، غاب هذا الشرط، فبقيت الأكاديميات مصانع شهادات، لا فضاءات تُنجب تيارات فكرية محلية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق