جمال الهمالي اللافي
المقدمة
تُعد
العمارة انعكاسًا مباشرًا للهوية الجمعية والذاكرة التاريخية، وهي ليست مجرد مبانٍ
أو فراغات عمرانية، بل مشروع وجودي يحدد علاقة الإنسان بمكانه ومجتمعه. في السياق
الليبي، شهدت المدن بعد الاستقلال تحولات جذرية اتسمت بغياب التخطيط، هدم المعالم
التاريخية، وظهور أنماط معمارية بلا هوية، ما أدى إلى أزمة عميقة في علاقة المواطن
بمكانه.
فقدان
الذاكرة المعمارية
لم تُصنع
للأماكن التي توسّعت بعد الاستقلال تفاصيل معمارية أو ملامح تخطيطية تمنحها روحًا
خاصة. بل جرى هدم مدن تاريخية وتشويه ما تبقى من معالمها، مما أفرغ الإنسان الليبي
من ذاكرته الجمعية. هذا الفراغ العمراني انعكس على الهوية، حيث وجد المواطن نفسه
في فضاء بلا ذاكرة ولا ملامح، ما عمّق شعوره بالاغتراب.
السياسات
الممنهجة وإذلال المواطن
لم تقتصر
السياسات على المعمار، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية:
- التدريب العسكري الإلزامي: أداة لإذلال الطلاب بدلًا من تأهيلهم
كمواطنين قادرين على حماية وطنهم.
- إلغاء الأسواق الحرة: فرض نمط استهلاكي يقوم على الطوابير
الطويلة وسلع رديئة الجودة.
- السيارات كمثال اقتصادي: تحولت من رمز حرية فردية إلى أداة إذلال،
حيث دفع المواطن أضعاف ثمنها وانتظر سنوات للحصول عليها.
هذه
الممارسات تكشف أن إذلال المواطن كان سياسة ممنهجة، انعكست على كل تفاصيل حياته،
بما في ذلك العمارة.
العمارة
اللاشيئية
في تلك
الفترة، لم تكن العمارة مغتربة بالمعنى الغربي، بل كانت بلا ملامح، يمكن وصفها
بـ"العمارة اللاشيئية". نماذج مثل الدوبلكسات ذات الطلاء الرمادي الجرافيتي الخشن
جسّدت فراغًا بصريًا ونفسيًا، حيث تحولت المدن إلى فضاءات صامتة لا تقول شيئًا،
لكنها تفعل فعلها في النفس عبر تكريس الشعور بالهشاشة والاغتراب.
العمارة
المغتربة
مع منتصف
العشرية الثانية من الألفية، ظهرت محاولات لتقليد أنماط الحداثة وما بعدها. هذه
العمارة لم تنبع من سياق محلي، بل كانت محاولة للتشبّث بصورة خارجية ترمز إلى
القوة والوضوح، أشبه بمحاولة المستضعف أن يتشبّت بيد قوية يظن أنها قادرة على
إنقاذه. غير أن هذه اليد كانت امتدادًا للطغمة نفسها التي صنعت معاناته، فبدلاً من
معالجة الأزمة، عمّقت الاغتراب ورسّخت التبعية.
تشخيص
الجرح
الأزمة
ليست شكلية، بل جرح عميق في جسد الوطن. العمارة اللاشيئية والمغتربة هي أعراض
لسياسة ممنهجة استهدفت الذاكرة المعمارية، العضو الذي
يحفظ هوية المجتمع ويربط المواطن بماضيه. فقدان هذا العضو أدخل الوطن في حالة
"الموات السريري"، حيث فقد المواطن مرآته التي يرى فيها ذاته.
البعد
التخطيطي
غياب
التخطيط العمراني لم يكن مجرد إهمال، بل سياسة لإفراغ المدن من وظيفتها كفضاء منظم
للحياة المشتركة. التخطيط هو "العقل" الذي ينسّق بين الإنسان والمكان،
وغيابه يعكس غياب المشروع الوطني.
الأثر
الاجتماعي
الفوضى
المعمارية والعشوائيات لم تؤثر فقط على المشهد البصري، بل أنتجت أنماطًا اجتماعية
مرتبطة بالانعزال، ضعف الروابط المجتمعية، وانهيار المجال العام الذي يجمع الناس.
المكان فقد وظيفته كحاضن للتفاعل، فتحوّل إلى فضاء يكرّس الانقسام والاغتراب.
الاقتصاد
السياسي
العمارة
اللاشيئية والمغتربة كانت انعكاسًا لاقتصاد موجّه قائم على السيطرة لا على
التنمية. المباني بلا هوية لم تكن مجرد فراغ بصري، بل جزءًا من منظومة أوسع لإلغاء
الفرد والمجتمع، حيث تحولت العمارة إلى أداة سياسية لإدامة التبعية وإلغاء الكرامة.
قرار
العلاج
- الإخاطة (الإصلاح الجزئي): ترميم بعض المباني، تحسين التخطيط، إدخال
عناصر هوية في المشاريع الجديدة.
- البتر (إزالة السبب): إنهاء السياسات التي تفرغ العمارة من
معناها، وإعادة تأسيس علاقة جديدة بين المواطن والمكان تقوم على احترام
الذاكرة والهوية.
أفق
المستقبل
استعادة
روح المكان ليست مشروعًا معماريًا فحسب، بل مشروع وطني شامل يبدأ من الاعتراف
بالجرح، ثم إعادة بناء علاقة الإنسان بذاكرته ومحيطه عبر سياسات جديدة تعيد
الاعتبار للتخطيط، للذاكرة، وللإنسان نفسه. عندها فقط يمكن أن يستعيد المكان روحه،
ويستعيد الإنسان ذاته، ويخرج الوطن من حالة الموات السريري.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق