جمال الهمالي اللافي
في فترة
انطلاقة أحداث الربيع العربي، انسحبت إلى مكتبي، أغلقت النوافذ على العالم،
وفتحتها على الداخل. كانت تلك أول مرة أبدأ سلسلة مشاريع مقترحة من طرفي لدراسة
فكرة الانطلاق من الكتلة لا من المسقط الأفقي، كما اعتدت في
تصميم مشاريعي. خطوة كنت أرفضها حتى أيام الدراسة، رغم إلحاح بعض الأساتذة، لكنها
بدت لي آنذاك ضرورة وجودية أكثر منها خيارًا منهجيًا.
أنجزت بعض
المشاريع حتى اكتمل توزيعها الفراغي بكفاءة عالية، وتوقفت عن بعضها عند حدود
الكتلة، حين استدعاني الواقع إلى مشاريع حقيقية تتطلب التفرغ الكامل. هذه الكتلة
واحدة من تلك المشاريع؛ لم تكن مشروعًا منفذًا، بل أثرًا من تلك العزلة، حين كان
التأمل هو الفعل الوحيد الممكن.
فلسفة
التجربة
هذه
التجربة لم تكن مجرد تمرين تقني، بل انعكاس لحظة وجودية في مساري المعماري، يمكن
تلخيصها في أربع مستويات:
1.
الكتلة
كبداية لا كخاتمة
الانطلاق من
الكتلة بدلًا من المسقط الأفقي قلب المنهج التقليدي رأسًا على عقب. الكتلة هنا
ليست نتيجة للتوزيع الفراغي، بل الشرارة الأولى التي تفرض على المعماري أن يتأمل
في حضور الشكل قبل أن يتأمل في تفاصيل الوظيفة.
2. العزلة كمعمل داخلي
ولدت التجربة
في عزلة، حيث كان الخارج مضطربًا والداخل هو المساحة الوحيدة الممكنة للعمل. هذه
العزلة لم تكن انسحابًا سلبيًا، بل مختبرًا لإعادة التفكير في أدوات التصميم، حيث
يصبح الانقطاع عن الواقع مدخلًا لفهم أعمق له.
3. المشروع كأثر لا كمبنى
لم تُنفذ هذه
الكتلة، لكنها بقيت أثرًا من تلك المرحلة. قيمتها لا تُقاس بمدى تنفيذها، بل
بقدرتها على أن تكون شاهدًا على لحظة فكرية، حيث يصبح المبنى وسيطًا للتأمل أكثر
من كونه غاية مادية.
4.
التحول من
الرفض إلى القبول
بعد أن كنت أرفض الانطلاق من الكتلة حتى في أيام الدراسة، قبلتها في هذه المرحلة كضرورة. هذا التحول يعكس أن الموقف المعماري ليس ثابتًا، بل يتشكل تحت ضغط الزمن والظروف، وأن المرونة الفكرية لا تعني التنازل، بل اكتشاف طرق جديدة لحماية جوهر الرؤية.
خلاصة
الكتلة
كأثر وجودي، ولدت من عزلة، لتذكّر أن المعمار ليس دائمًا بناءً، بل أحيانًا تأملٌ
في إمكانية البناء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق