أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، فبراير 03، 2026

من البناء إلى التشطيب… السوق الليبي تحت رحمة المقاولين

لماذا أرفض التصريح بتكاليف البناء؟


جمال الهمالي اللافي

    منذ العام 2006 بدأتُ مبادرات في إدخال الحجر الطبيعي إلى بعض أعمالي، سواء في بناء الأسوار أو تلبيس الحوائط، رغبةً في إعادة الاعتبار لهذه المادة الأصيلة في عمارتنا الليبية. استعنت في تلك الفترة بعمالة غير ليبية، واستمر ذلك حتى العام 2021. وخلال هذه التجارب تعرفت على أحد "الأسطوات" الليبيين، زرته في بيته ورأيت حجرة مبنية بالحجر فأعجبت بها، وظننت أنني وجدت الحرفي الذي يمكن أن يعيد الثقة في العمل المحلي. منحتُه فرصتين: الأولى في استراحة لابن عمي بجبال الخمس، والثانية في مزرعة بالخمس.

    لكن سرعان ما تكشفت الحقيقة: لم يكن أسطى بالمعنى الحقيقي، بل مجرد مقاول يمارس الجشع واللؤم. يساوم على العمل بأسعار خيالية، ثم يستجلب عمالة تونسية لتنفيذ العمل بثلث السعر الذي يطلبه، ويتواجد في الموقع ليوم أو يومين قبل أن يختفي تاركاً كل التزاماته للعمالة التي جلبها. هذه الممارسات ليست مجرد خطأ فردي، بل هي صورة عن واقع السوق الليبي كله، حيث لا يتعامل صاحب العمل مع الأسطى مباشرة، بل مع مقاول وسيط لا يعرف النزاهة ولا يتحمل المسؤولية.

    ولم يتوقف الأمر عند مرحلة البناء وحدها، بل تجاوزها ليطال جميع مراحل التشطيب. فبدلاً من التعامل المباشر مع الأسطى الفني كما كان في السابق، أصبح التعامل اليوم مع مقاول يتفق على سعر يحسب فيه أرباحه الخيالية قبل أتعاب العمالة الفنية، ثم يستجلبهم وينسحب تاركاً الأمر لعلاقتهم المباشرة بصاحب البناء. وهكذا تتكرر الحلقة نفسها: وسيط جشع، أسعار متضخمة، وغياب كامل للالتزام.

    إن ما يجري في سوق البناء الليبي اليوم هو فوضى كاملة: تفاوت يومي في الأسعار، غياب أي مرجعية أو تسعيرة رسمية، وسيطرة طبقة من المقاولين الجشعين والمستهترين، سواء كانوا ليبيين أو مصريين أو سوريين. النتيجة أن الأسعار ترتفع بلا ضابط، وأن سمعة السوق تتدهور، وأن صاحب العمل يجد نفسه أمام حلقة من الاستغلال لا تنتهي.

    لهذا السبب، حين يسألني البعض عن تكلفة البناء أو التشطيب، أرفض التصريح بأي رقم. ليس عجزاً عن التقدير، بل حفاظاً على المصداقية. فما هو صحيح اليوم يصبح خاطئاً غداً، وأي تصريح بسعر قد يتحول في اليوم التالي إلى إساءة لسمعتي.

    إن مسؤولية إصلاح هذا الواقع تقع على الدولة، لا من باب السياسة، بل من باب حماية المهنة والاقتصاد الوطني. فهي وحدها القادرة على حماية الأسطى الحقيقي، ووضع تسعيرة عادلة، وكبح جشع المقاولين الذين شوهوا سمعة البناء والتشطيب في ليبيا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...