أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، فبراير 18، 2026

حينما يتحدث العمران بغير لساننا: فصام الواقع وغياب الشريعة عن تشكيل الحياة

 

الإعلام بأحكام البنيان، كتاب في فقه العمران لإبن الرامي

جمال الهمالي اللافي

تساؤلات في فراغ الواقع

ما علاقة الشريعة الإسلامية بالعمارة؟ وما علاقتها بتخطيط المدن والمناطق؟ بل ما الرابط بين أحكام الدين وتصميم الأثاث، وتجهيز البيوت، والرسم الحر، وتصميم الأزياء؟ وهل للشريعة حضور في الهوية البصرية للمؤسسات، أو في الإعلام والدراما والإعلانات؟ وهل بقي لها أثر في مسميات المقاهي والمواليد التي باتت تميل للرطانة الأعجمية؟

الإجابة الصادمة والمؤلمة هي: أن الشريعة مغيبة تماماً عن واقع هذه التطبيقات اليوم.

لقد انفصلت هذه المجالات الحيوية عن مقتضيات الشريعة، وباتت تائهة في أودية التغريب، وتشويه العقيدة، وطمس اللغة العربية. وفي المقابل، نجد فجوة معرفية هائلة لدى قطاع واسع من المتصدرين للعلوم الشرعية؛ حيث استغرق الكثير منهم في تفاصيل الخلافات الفرعية، غافلين عن "فقه العمران" و"فقه الحضارة" الذي يُشكل وجدان الإنسان المسلم ويوجه بوصلة حياته اليومية.

هندسة الاستلاب: العمران كأداة أيديولوجية

إن تزكية النفس والالتزام بمقتضيات الشرع لا يستقيم لهما حال في بيئة مادية تُصادم في تكوينها قيم الإسلام. فالمخطط العمراني، وتصميم المنزل من توزيع فراغاته إلى واجهاته، واتساع الشوارع وضيقها، كلها رسائل صامتة تفرض نمط حياة يزاحم هوية المسلم. وباختصار: إن البيئة العمرانية الحديثة بتركيبتها الحالية تضع المسلم في صراع دائم مع ثوابته، وكأنها تدفعه قسراً نحو الانسلاخ عن عقيدته.

هذا الواقع ليس نتاج صدفة، فالعشوائية الظاهرة والفوضى المعمارية ما هي إلا انعكاس لمخططات فلسفية مدروسة من قِبل منظري "الحداثة" و"ما بعد الحداثة" والتفكيكية". هؤلاء لم يضعوا خطوطهم اعتباطاً، بل انطلقوا من رؤى مادية تهدف لعزل الدين عن المجال العام. وما المعماريون المسلمون اليوم إلا منفذون لهذه الرؤى، بعد أن تشربوها في مناهج كليات العمارة والفنون والإعلام، فصاروا- عن غير قصد- حماة لمشروع يقوض الخصوصية الإسلامية من جذورها.

غياب "الفقه التطبيقي" والفجوة المعرفية

تكمن المأساة في الانفصال النكِد بين "النص الشرعي" و"الواقع المعاش". فبينما يُكتفى بالوعظ الشفهي في دروس العقيدة والتوحيد، نجد أن "التطبيق العملي" للإسلام يُضرب في مقتله عبر الاختصاصات الحياتية.

إن خطب الجمعة لن تجد طريقها لمن فسدت فطرته تحت تأثير معايشة واقع يخالف عقيدته في مأكله وملبسه ومسكنه. لقد غابت الشريعة عن "هندسة الحياة" بسبب إعراض بعض المتخصصين في الشرع عن فقه واقع هذه التطبيقات، واكتفائهم ببطون الكتب القديمة دون إدراك لكيفية تنزيل أحكامها على النظريات المعمارية والإعلامية المعاصرة التي تسيطر على الأرض.

الحداثة: فلسفة إحلال لا مجرد طراز

يجب أن ندرك أن عمارة الحداثة، والتفكيكية، وما ينبثق عنها من نظريات، ليست مجرد "أذواق" أو طرز فنية، بل هي تيار فكري مبني على إزاحة المركزية الإلهية وإحلال المركزية المادية مكانها. ورغم سقوط بعض هذه النظريات تقنياً، إلا أن آثارها الفلسفية لا تزال تفتك بمجتمعاتنا.

إن الشواهد الحية من مدن ومناطق قامت على أركان هذه النظريات، ويعيش بداخلها المسلمون، كفيلة بأن تحول المسلم إلى كائن يؤدي "طقوساً" مجردة، بينما يغيب جوهر الإسلام عن سلوكه ومعاملاته اليومية نتيجة البيئة الضاغطة التي يعيش فيها.

خاتمة: براءة للذمة

أعلم يقيناً أن هذا الطرح قد لا يروق للكثير من الزملاء المعماريين -خاصة أولئك الذين تتلمذوا على مناهج الحداثة الصرفة- ولن يكون من السهل عليهم مراجعة الطريق الذي يسلكونه.

ولكنها تبقى رسالة التبليغ وإبراء الذمة أمام الله ثم المجتمع. إن الإسلام لن يستعيد عافيته إلا حينما تعود الشريعة لتحكم "التصميم" قبل أن تحكم "اللسان"، فالعمارة هي الوعاء الذي إما أن يحفظ روح الأمة أو يبددها في زحام المادة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...