أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

السبت، فبراير 14، 2026

بيان في فقه العمران: العمارة أخلاقٌ قبل أن تكون ثقافة

 ميثاق المعماري المسلم: من صنمية الشكل إلى أمانة الاستخلاف


جمال الهمالي اللافي

تنهض العمارة في جوهرها كـ "عقيدة متجسدة" وحالة أخلاقية وجودية تسبق بضرورتها كونها تجلياً ثقافياً أو نتاجاً فنياً. إن تقديم "الأخلاق" على "الثقافة" ينبع من حقيقة أن السلوك الأخلاقي للمعماري هو "البوصلة" الثابتة، بينما الثقافة وعاء متغير قد يتأثر بالعولمة أو الاستلاب. فالأخلاق المستمدة من شريعة الخالق هي الجوهر، وما سواها تبعية تدور في فلكها.

الصراع القيمي في الفراغ المعماري

يعيش الواقع المعماري صراعاً بين منظومتين: منظومة القيم الحافظة التي تصون المجتمع وتحترم الخصوصية وتناغم الفطرة، وبين منظومة الهدم القيمي التي توظف "ثقافة التحلل" لتحويل العمارة إلى أداة للهيمنة وتشويه الوعي. لذا، لا يجوز ترك العمارة لادعاءات "مجاراة العصر" دون إخضاعها لمساءلة العقيدة؛ فالمعرفة الحقيقية هي التي تنشر الفضيلة، لا تلك التي تكرس التغريب عبر الافتتان بالقشور الشكلية.

نقد السيولة: "حصان طروادة" وتفكيك المرجعية

إن نظريات الحداثة وما بعد الحداثة، وعلى رأسها "التفكيكية"، ليست مجرد أنماط هندسية، بل هي مشروع لهدم أركان العقيدة. إن تفكيك الكتلة في فلسفة (كولهاس وغيهري) هو تمهيد مادي لـ تفكيك "المركز"؛ والمركز في وعينا وفطرتنا هو الله عز وجل، المرجع الأعلى واليقين الثابت.

لقد استُخدمت أسماء مثل "زها حديد" كـ "حصان طروادة" لشرعنة هذه الفلسفة في مجتمعاتنا؛ حيث عَمِيَ الانبهار بالتشكيل البصري عن الحقيقة الخطيرة: وهي أن نبذ التوازن والاستقرار هو دعوة صامتة لتبني "النسبية المطلقة" التي لا تعترف بإله أو شريعة، مكرسةً "صنمية الشكل" على حساب المضمون الإلحادي المتخفي خلفها.

العمارة كمختبر للسلوك (الواقع الليبي نموذجاً)

إن عمارة البيت الليبي المعاصر هي "مختبر سلوكي للفضيلة"؛ فالمبنى "المنحرف" قيمياً يحرض على التحلل لمصادمته الفطرة:

·     الستر مقابل الانكشاف: الواجهات الزجاجية الشاملة في بيئتنا ليست "تحديثاً"، بل هي "انحراف سلوكي" يفرض على الأسرة إما التخلي عن الحياء أو العيش في سجن خلف الستائر.

·         الترابط مقابل التفكك: التوزيع "الفندقي" المعزول يقتل روح "العيلة" ويحول البيت إلى نقاط شتات يسهل معها تغلغل القيم الهدامة.

·         سيكولوجية الفراغ: الزوايا الحادة والتكوينات القلقة تزرع "عدم الاستقرار" الذهني، بينما التوازن المعماري يعكس استقرار العقيدة واليقين.

الميثاق الأخلاقي للمعماري (المنطلقات والضوابط)

لكي لا يظل الوازع الأخلاقي مجرد شعار، يجب على المعماري إخضاع مشروعه لـ "قائمة تدقيق" قبل التنفيذ، متسائلاً بصدق أمام كل خط يرسمه:

1. أمانة الاستخلاف:

·         التساؤل: هل التصميم إعمار للأرض أم إفساد فيها وتعدٍ على حقوق الآخرين؟

·     التوضيح: أن يدرك المعماري أن الأرض أمانة، وأن عمارته يجب أن تكون إعماراً لا تدميراً، وتواضعاً لا استكباراً. التصميم الأخلاقي هو الذي يخدم كرامة الساكن ولا يقدم "الأنا" المتضخمة للمصمم على حساب فطرة وهوية المجتمع.

2. اختبار الجوار:

·         التساؤل: هل يحترم المبنى حق الجار في الضوء والخصوصية، أم يتعدى عليه استعلاءً؟

·     التوضيح: العمارة المسلمة هي "عمارة حقوق"؛ فلا يجوز أن يطغى بناء على آخر بحجب شمس أو كشف عورة (بصرياً). إن احترام حدود الجار المادية والمعنوية هو تطبيق عملي لوصية النبي ﷺ بالجار، وهو ما يمنع تحول الحي إلى غابة من الخرسانة المتصارعة.

3. مرجعية الفطرة السوية:

·         التساؤل: هل يحقق التوزيع الفراغي قيم "السكينة والستر" الفطرية؟

·     التوضيح: الالتزام بتصميم فراغات تحترم سيكولوجية الإنسان المسلم، مثل قيم "الستر" التي تصون الأسرة، و"السكينة" التي تمنح الهدوء النفسي، ومحاربة الأنماط التي تكرس العزلة أو الانحلال السلوكي عبر الفراغات المفتوحة بشكل مبالغ فيه التي تقتل الخصوصية.

4. النقد المعرفي الواعي:

·         التساؤل: هل أنا مبهور بالشكل لمجرد الحداثة، أم أعي خلفياته الفكرية التي تستهدف هدم مرجعيتي؟

·     التوضيح: أن تكون دراسة تاريخ العمارة دراسة نقدية، تفرق بين "المنجز التقني" (الذي نأخذه ونطوره) وبين "المنطلق الفكري المنحرف" (الذي نرفضه). الإبداع لا يعني استنساخ أشكال ولدت من رحم فلسفات عدمية أو إلحادية بدعوى "العالمية".

5. المسؤولية الاجتماعية:

·         التساؤل: هل مشروعي يحترم النسيج العمراني المحلي ويحقق نفع المجتمع؟

·     التوضيح: أن تكون الغاية هي نفع الناس وصيانة البيئة المحلية، لا تحقيق شهرة زائفة عبر "صرعات" معمارية هلامية تشوه الهوية البصرية للمدينة وتستنزف مواردها دون جدوى حقيقية للمستخدم البسيط.

6. اختبار المقياس الإنساني:

·         التساؤل: هل يشعر الإنسان داخل الفراغ بأنه "مُكرم"، أم أنه ضئيل أمام ضخامة مادية باردة؟

·     التوضيح: العمارة الأخلاقية هي التي تحتفي بالإنسان ككائن كرمه الله، فتعطيه مقياساً يمنحه الهيبة والراحة معاً. عكس ذلك هي "عمارة الاستعلاء" التي تهدف لإشعار الفرد بضآلته أمام سلطة المادة أو رأس المال، وهو نهج يصادم التواضع الإيماني.

7. رقابة الضمير:

·         التساؤل: هل أستشعر رقابة الخالق في كل خط وتفصيلة؟

·     التوضيح: العمارة شهادة صامتة تبقى بعد رحيل صانعها لعقود. المعماري الرسالي يبني ليكون أثره شاهداً له بالصلاح، مدركاً أن كل قرار تصميمي هو قرار سيُحاسب عليه أمام الله قبل أن يُحاسب عليه أمام المجتمع.

8. أمانة المورد (الصدق المادي):

·         التساؤل: هل المواد المستخدمة تعكس "صدقاً" واستدامة، أم هي هدر للموارد من أجل بهرج زائل؟

·         التوضيح: تجنب التبذير والمباهاة بالمواد المكلفة لمجرد التفاخر الطبقي. الأمانة تقتضي استخدام الموارد بحكمة (الاستدامة)، والابتعاد عن المواد "الزائفة" التي تخفي عيوب التصميم خلف واجهات براقة لكنها تفتقر للأصالة والمتانة.

الخلاصة

إن المعماري المسلم الذي يلتزم ببوصلته الأخلاقية يقدم الرد الحضاري الأقوى على حملات التشويه؛ ليثبت أن عمارة الإسلام هي عمارة بناء وإصلاح، تفتح أبواب "التعارف الإنساني" شريطة احترام القيم.

تذكر دائماً: إننا نشكل أبنيتنا، وبعد ذلك هي التي تشكلنا؛ فالمعماري الذي لا يحمل وازعاً أخلاقياً ورقابة ضمير، يبني سجناً لروح الإنسان.. وإن كان القصر من زجاج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...