جمال الهمالي اللافي
في
ليبيا، ترسّخ في الأذهان تصوّرٌ قاصر يحصر دور المعماري في مرحلة "التصميم
الأولي"، وكأن مهمته تنتهي بمجرد تسليم المخططات، لتبدأ بعدها مسؤولية
المهندس المدني في التنفيذ. هذا الفهم لم يضر بجمال مدننا فحسب، بل أثر بعمق على
سياسات التوظيف التي باتت تطلب عشرات المهندسين المدنيين مقابل معماري واحد. ومع
توقف المشاريع الكبرى لسنوات طويلة، ضاعت التقاليد المهنية الصحيحة لصالح
التعيينات العشوائية، مما أدى لتهميش الدور المحوري للمعماري كمسؤول أول عن جودة
المباني وسلامة بيئتنا العمرانية.
المعماري
كمنسق رئيسي للمشروع
تؤكد
المعايير الهندسية العالمية أن المعماري هو "المنسق الرئيسي" لكل
العملية الهندسية. فالمشروع ليس مجرد مخطط على ورق، بل هو دراسة شاملة تجمع بين
طبيعة الأرض، والمناخ، واحتياجات الناس، والتفاصيل الدقيقة والجدوى الاقتصادية.
في هذا
الإطار، يتولى المعماري مهمة الربط والانسجام بين كافة التخصصات، لضمان ألا تتعارض
الحلول الفنية مع الهدف من بناء المشروع وجمالياته:
· مع المهندس الإنشائي: ينسق
المعماري معه لتوزيع الهيكل والأسقف بطريقة تخدم الفراغات الداخلية ولا تشوهها.
فالمعماري هو من يحدد "منطق الفراغ"، والمهندس الإنشائي المبدع هو من
يبتكر الحلول الهندسية لتحقيق هذا التصور.
·
تنسيق
الأنظمة التقنية: يوجه
المعماري مهندسي الكهرباء والسباكة والتكييف لدمج التمديدات بذكاء داخل التصميم،
وهذا يمنع الحلول الارتجالية أثناء التنفيذ، والتي غالباً ما تشوه شكل الواجهات أو
الغرف وتعيق استخدامها.
· التكامل بين الداخل والخارج: يضمن
المعماري وجود علاقة انسيابية بين التصميم الداخلي وتنسيق المساحات الخارجية
والحدائق، مما يجعل المشروع وحدة واحدة متناغمة.
فجوة
التعليم وتحدي الرؤية الشمولية
تكمن
الإشكالية الكبرى في "تجزئة المسؤولية" الناتجة أساساً عن طبيعة المناهج
الأكاديمية. فبينما يمتلك المعماري نظرة شاملة ترى المشروع ككيان واحد، تميل مناهج
الهندسة المدنية والتقنية إلى التركيز على الحسابات الرقمية والمعادلات المجردة
كجزيئات منفصلة، دون ربطها بصورة المبنى الكلية أو غاياته الإنسانية.
هذا
التباين في التكوين المعرفي يصبح عائقاً عندما يتولى قيادة المشاريع أشخاص اعتادوا
رؤية المشروع كأجزاء تقنية مستقلة. إن نقص الإلمام بجوانب العمارة الاجتماعية
والبيئية في المناهج الهندسية الأخرى، يؤدي غالباً إلى صراعات إدارية وتهميش
للمعماري، بدلاً من استثمار خبرته في إدارة هذا التعقيد. فمن تشرّب فكراً
أكاديمياً قائماً على تجزئة الحلول، سيواجه صعوبة حتمية في قيادة عمل يتطلب
بطبيعته إدراكاً شمولياً لكافة المؤثرات المترابطة، وهي رؤية قد لا يكتسبها أصحاب
الاختصاصات الهندسية إلا بعد سنوات طويلة من الممارسة الميدانية والاحتكاك المباشر
مع المعماريين في مواقع التنفيذ.
التبعات
الاقتصادية والاستدامة
إن إبعاد
المعماري عن قيادة التنفيذ ليس مجرد خسارة للشكل، بل هو هدر مالي صريح. فالمعماري
هو "حارس الاستدامة"؛ هو من يعرف كيف يجعل المبنى موفراً للطاقة عبر
اختيار مواد البناء الصحيحة وتوجيه النوافذ للضوء والريح. كما أن غياب المعماري عن
الموقع يحرمه من متابعة أفكاره وتطويرها، ويحول المباني إلى كتل خرسانية مكلفة
جداً في التبريد والتدفئة والصيانة.
خارطة
طريق للإصلاح المهني
لإعادة
الاعتبار لدور المعماري، نحتاج لخطوات واضحة:
1. إلى صُنّاع القرار : يجب
مراجعة هيكلية الإدارة في المشاريع العامة، وفرض وجود "مدير مشروع
معماري" كشرط أساسي لضمان التنسيق وجودة التنفيذ.
2. إلى الجامعات: تحديث المناهج الهندسية لتعريف
جميع الطلاب بأن المشروع المعماري هو "عمل واحد متكامل"، وربط المعادلات
النظرية بالواقع التطبيقي لتقليل الفجوة المهنية.
3. إلى المواطن : المعماري
هو مستشارك الذي يحمي استثمارك المالي على المدى الطويل؛ فالبناء الناجح ليس مجرد
قواعد قوية، بل هو فراغ يوفر لك الراحة النفسية والكفاءة في الاستخدام.
الخاتمة
مهمة
المعماري لا تنحصر في تصميم المشروع، بل هو الضامن لروح المشروع وهويته. إن
الانتقال من "التفكير المجتزأ" إلى "القيادة الشمولية"
المؤسسة على فهم عميق لكافة جوانب البناء، هو السبيل الوحيد لإنقاذ مدننا من
العشوائية البصرية، وضمان بناء بيئة تعكس قيمنا وتدعم جودة حياتنا.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق