بين ذاكرة المكان واستلاب الهوية: نحو عمارة واعية
جمال الهمالي اللافي
المقدمة
العمارة ليست مجرد أشكال أو
طرز تُستعرض في الفضاء العمراني، بل هي ذاكرة جمعية ورافد حضاري يترجم علاقة
الإنسان ببيئته وقيمه. عبر التاريخ، لم يكن التطور المعماري فعل إلغاء، بل فعل
استجابة وتراكم، حيث جاءت الحلول المعمارية لتجيب عن مشكلات إنشائية أو لتلبي
مطالب اجتماعية وثقافية مستجدة. إن إدراك هذا الفارق بين التطور الطبيعي والتطوير
القسري هو ما يحدد اليوم مصير هويتنا المعمارية.
التطور الطبيعي: رافد يخدم
الإنسان
التطور الطبيعي ينبع من احترام
البيئة والتضاريس، سواء كانت حضرية أو ريفية أو جبلية أو صحراوية. وهو لا يتعدى
على هذه المعطيات، بل يتفاعل معها جمالياً ووظيفياً وبيئياً:
- يستجيب لمتطلبات جديدة في
الأنشطة والوظائف.
- يبتكر حلولاً إنشائية
تضمن المتانة وتحقق التوسع في المساحات والارتفاعات.
- يستوعب مواد بناء
وتشطيبات حديثة، شرط ألا تتعارض مع الهوية المحلية.
هكذا يصبح التطور رافداً يرفع العمارة إلى الأعلى، هدفه
الإصلاح وخدمة الإنسان في سياق بيئته وثقافته وعقيدته.
البعد الشرعي في العمارة المحلية
من أبرز ما يميز العمارة
المحلية أنها استجابت بوعي للمطلب الشرعي المرتبط بالخصوصية والحشمة، فجاءت حلولها
المعمارية متجذرة في القيم الدينية والاجتماعية:
- الفصل بين الذكور والإناث
في المضاجع.
- الفصل بين الرجال والنساء
في المجالس.
- مراعاة الخصوصية في توزيع
الفضاءات الداخلية والخارجية.
هذه الاستجابة لم تكن مجرد
تفصيل وظيفي، بل جزء من هوية معمارية متكاملة، وهو ما أهملته العمارة المعاصرة حين
انشغلت بالاستعراض الشكلي على حساب القيم الجوهرية.
التطوير القسري: هدم الهوية
وتشويه البيئة
في المقابل، هناك ما يُسمى
"التطوير" الذي يُفرض من الخارج أو من سلطة جاهلة، معمارية كانت أو
سيادية. هذا المسار يسير إلى الأسفل، لأنه:
- يستجلب طرزاً مفتعلة
ومستوردة لا علاقة لها بالبيئة المحلية.
- يفرض مواد بناء دخيلة
تُزرع في الموقع فرضاً ممجوجاً.
- يشوه الهوية الثقافية
ويعطل الانسجام البيئي والاجتماعي.
إنه تطوير لا يخدم الإنسان، بل يطمس ذاكرته ويشوّه محيطه.
تجربة المدينة القديمة:
الاستعادة الواعية
خلال البحث الأكاديمي والعمل
الميداني في المدينة القديمة، تكشّف لي أن كل فكرة جديدة يُظن أنها ابتكار، كانت
موجودة منذ قرون. العمارة المحلية سبقتنا في حل مشكلاتنا، وأثبتت أنها ديناميكية
ومرنة:
- كل إضافة حديثة وُجدت لها
سابقة عمرها 500 عام.
- الحاجة إلى الاستيراد
تنحصر في مواد البناء والتشطيبات، بعد أن توقف إنتاجها محلياً.
- الاستعارة هنا ليست
استلاباً، بل تطعيم تقني يعيد للعمارة المحلية قدرتها على الاستمرار.
مهمة المعماري اليوم: بين
الابتكار والاستعادة
السؤال النقدي الذي يفرض نفسه:
هل دور المعماري أن يخترع أم أن يستعيد؟
الإجابة
تأتي من شقين:
- قراءة الواقع المعاصر
ومتطلباته الوظيفية والمواد والأنشطة المستجدة.
- الاستعادة الواعية
للموروث المعماري والحرفي، لأنه يحمل في داخله حلولاً مكتملة لا تحتاج إلى
تعديل.
المعماري إذن ليس
"مبتكرًا" بالمعنى الاستعراضي، بل قارئ ذاكرة ومجدّد سياق. الابتكار
الحقيقي يكمن في إعادة وصل الماضي بالحاضر، وصياغة هذا الوصل في لغة معاصرة تحفظ
الهوية وتخدم الإنسان.
نحو مدرسة منهجية جديدة
من هذا المنهج تتشكل مدرسة
معمارية جديدة، لا تُعرّف نفسها بالطرز أو الأشكال، بل بالوعي النقدي الذي يحكم
علاقتها بالذاكرة والواقع. مدرسة تجعل من التراث مادة حيّة، ومن المعاصرة سياقًا
لا قطيعة فيه. إنها مدرسة العمارة الواعية، التي ترى أن كل جديد موجود أصلاً في ماضينا،
وأن دورنا هو أن نعيده إلى الضوء لا أن نستبدله بما يُفرض علينا من الخارج.
الخاتمة
إن العمارة التي تهمل بيئتها
وقيمها لا تُنتج سوى فراغ مشوّه، بينما العمارة التي تستعيد ذاكرتها وتستجيب بوعي
لمتطلبات العصر تُنتج هوية متجددة تحفظ الإنسان وتكرم بيئته. إن مسؤولية المعماري
اليوم ليست في استعراض أشكال دخيلة، بل في حماية ذاكرة المكان وصياغتها في لغة
معاصرة. بهذا المعنى، العمارة الواعية ليست خيارًا، بل واجبًا حضاريًا وأخلاقيًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق