جمال الهمالي اللافي
مقدمة
لا ينفصل
اختيار الألوان في العمارة التقليدية الليبية عن السياق العقائدي والثقافي للمجتمع . فعلى مدى
قرون، تشكلت هوية بصرية واضحة لمدينة طرابلس، لم تكن مجرد خيارات جمالية عفوية، بل
كانت "كوداً" بصرياً يعكس الانتماءات الدينية والاجتماعية لسكانها، مما
جعل من واجهات المباني سجلًا ديموغرافياً يُقرأ بوضوح.
التمايز
اللوني كمرجعية عقائدية
أثبتت
الدراسات الميدانية وأعمال الترميم في مدينة طرابلس القديمة أن تمايز الألوان كان
خياراً طوعياً من السكان، وليس نتاج تشريعات إدارية قسرية. ويمكن
حصر هذه المنظومات اللونية وفقاً للمرجعية العقائدية لكل مكون:
1. المكون الإسلامي: اعتمد
اللون الأبيض لطلاء الجدران (بالجير)، واللون الأخضر للمشغولات
الخشبية والمعدنية. وتعود هذه المرجعية إلى رمزية الأخضر في الوجدان
الإسلامي كدلالة على السلام والجنة.
2. المكون المسيحي: تميز
بطلاء الجدران باللون الأصفر، واستخدام اللون البني للمشغولات
الخشبية. ويرتبط الأصفر تاريخياً بعلم الفاتيكان (علم
البابا)، مما جعل اللون بمثابة توقيع للولاء الروحي لهذه المرجعية.
3. المكون اليهودي: استخدم
اللون السماوي للجدران واللون الأزرق للمشغولات. وترتبط
هذه المرجعية برموز عقائدية خاصة، وفي العصر الحديث، تُربط رمزية الأزرق لديهم
بطموحات سياسية توسعية.
الجدران
كأرشيف سوسيولوجي
كشفت
طبقات الطلاء المكتشفة أثناء ترميم المباني التاريخية عن تعاقب السكان؛ فترتيب
الألوان داخل البيت الواحد يحكي قصة انتقال الملكية بين العائلات من عقائد مختلفة. كما يبرز
اللون الأصفر بوضوح في المنشآت التي شيدها الاحتلال الإيطالي، حيث استُخدم لفرض
صبغة بصرية تعكس سيادة الدولة الكاثوليكية آنذاك.
مغالطة
"الأزرق المتوسطي" والاستلاب الثقافي
منذ عام
2011، برزت محاولات لفرض اللون الأزرق على واجهات الشوارع المعاصرة في طرابلس،
بذريعة الانتماء لنمط "العمارة المتوسطية".
إلا أن التحليل التاريخي يفند هذا الطرح؛ فاللون
الأخضر في ليبيا هو موروث أصيل سابق لأي تحول سياسي حديث. إن محاولة إحلال الأزرق محل
الأخضر هي عملية "إزاحة بصرية" تهدف إلى فك ارتباط المجتمع بهويته
العقائدية، وتمرير قيم بصرية غريبة تحول الحاضرة الليبية إلى نسخة مشوهة من أنماط
سياحية هجينة.
الخاتمة:
نحو سيادة بصرية متجددة
إن الالتزام بالثنائي (الأخضر والأبيض) في
العمارة الليبية المعاصرة والترميم التاريخي ليس مجرد تمسك بالماضي، بل هو حفاظ
ضروري على "السيادة الثقافية". ومع هذا الالتزام بالأصالة، يبرز ثراء
التدرج اللوني للأخضر كقيمة جمالية مضافة؛ فهذا اللون الذي تمتلك العين البشرية
قدرة فائقة على تمييز مئات الدرجات منه، يتوفر عالمياً بأكثر من 300 تدرج لوني معتمد، مما يفتح أمام المعماري آفاقاً لا
حصر لها.
إن استخدام خيارات مثل الزيتوني الوقور، والغابوي العميق، والميرمِيّ الهادئ، والزمردي
الداكن، والطحلبي الدافئ، يمنح المصمم مساحة كبيرة لكسر الرتابة وتحقيق
التمايز في طلاء الواجهات وعناصر التأثيث والمشغولات المعدنية، مع البقاء داخل
إطار الهوية الواحدة. وبذلك، يحمي المعماريون وصناع القرار الذاكرة البصرية
للمدينة، ويضمنون استمرار الهوية الليبية ككيان مستقل يتميز بخصوصيته الحضارية عن
محيطه المتوسطي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق