أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، فبراير 16، 2026

جدلية العمارة والمجتمع: من يفسد الآخر؟

 


جمال الهملي اللافي

انطلق حوارٌ فكريٌ لافت على منشوري: "عمارة الشظايا: حين خان المعماري مرآته"، حين علّق المهندس المعماري قائلاً: "عمارة فاسدة = مجتمع فاسد"، ليأتيه الرد من أحد المشايخ بقلب المعادلة: "مجتمع فاسد = عمارة فاسدة". هذا السجال المختصر يختزل قضية فلسفية وعمرانية كبرى: هل العمران مجرد نتيجة للحالة الاجتماعية، أم أنه صانعٌ لها؟

الحقيقة أن كليتهما على صواب؛ فالعلاقة بين المجتمع وعمارته هي علاقة عضوية تبادلية، تشكل حلقة مفرغة يصعب فيها تحديد "البادئ" بالفساد للوهلة الأولى.

1.      المجتمع كصانع للعمارة (رؤية الشيخ)

من هذه الزاوية، يُنظر إلى العمران كـ "مرآة" عاكسة. فالمجتمع الذي يعاني من تخلخل القيم، والأنانية المفرطة، وضياع الذوق العام، سينعكس ذلك حتماً على تخطيط مدنه وبناء منازله:

·         التعدي على الفراغ العام: انعكاس لغلبة المصلحة الخاصة على العامة وضياع مفهوم الحق المشترك.

·         عشوائية التصميم: تعبير عن حالة الفوضى الفكرية والقيمية وعدم احترام النظم والمعايير.

·         غياب الروح في البناء: دليل على مادية المجتمع وانفصاله عن جذوره الجمالية والروحية والاكتفاء بالوظيفة النفعية الضيقة.

2.      العمارة كمشكل للمجتمع (رؤية المعماري)

في المقابل، يرى المعماريون أن البيئة المبنية ليست صامتة، بل هي التي تعيد صياغة سلوك البشر. العمارة الفاسدة (الضيقة، المظلمة، التي تفتقر للخصوصية أو التي تعزز العزلة) تؤدي إلى:

·         توليد العنف والتوتر: الازدحام العمراني وغياب المساحات الخضراء يرفع من حدة التوتر الاجتماعي ويولد الضغط النفسي.

·         قتل الانتماء: المدن التي بلا هوية تجعل الفرد يشعر بالغربة، مما يقلل من حرصه على سلامة بيئته.

·         إفساد الذوق العام: نشوء أجيال في بيئة مشوهة بصرياً يجعل القبح هو "المعيار" الطبيعي لديهم، مما يؤدي إلى تبلد الحس الجمالي.

3.      الحلقة التبادلية: من يقود من؟

بناءً على ما سبق، نحن أمام حلقة تدور حول نفسها؛ فجيلٌ يقوم بمهمة إفساد عمارته لتوافق سوء حاله، فتعود تلك العمارة الفاسدة لتفسد الأجيال التي تليها، ما لم يتم تدارك الأمر. وهنا يبرز السؤال الجوهري: متى وكيف بدأت هذه الحلقة في مجتمعاتنا؟

4.      المفتاح التاريخي: العمارة كأداة استلاب

عند البحث في "أسبقية" الفساد، نجد أن التغير الجذري في تخطيط مدننا لم يكن تطوراً طبيعياً نابعاً من الداخل، بل كان "صدمة" خارجية حسمت هذا الصراع لصالح العمارة كبادئ بالإفساد:

·         إرث الاستعمار: دخل الاستعمار الغربي العالم الإسلامي حاملاً معه منظومة "الحداثة الفكرية" التي تتصادم في جوهرها مع العقيدة والهوية.

·     نمط الشقق والعمارات: مخططات مدن ومناطق فرضت الأنماط السكنية الرأسية (العمارات) والفلل التي تحوطها الارتدادات من جميع جوانبها وتفتح نوافذها على الشوارع، وهي أنماط لم تكن معروفة في تراثنا المعماري. هذا النمط بُني على فلسفة غربية تقدس الفردانية، بينما كانت العمارة الإسلامية (مثل البيت ذو الفناء) تبنى حول قيم "الستر" و"الجيرة" و"الترابط الأسري".

·     الشرارة الأولى: كان هذا النمط الدخيل هو الشرارة التي أشعلت الفساد القيمي؛ لأنه أجبر المجتمع على التكيف مع فراغات لا تشبهه، مما أدى إلى تصدع المنظومة الأخلاقية والاجتماعية من الداخل.

الخاتمة: مسؤولية التشخيص ونقد "الوعظ المنفصل"

إن إصرار العالم الشرعي على أن الفساد القيمي نبت من فراغ، هو تفريغ للحالة من أسسها الموضوعية. إن الاقتصار على النصوص دون الإلمام بواقع تطبيقها -وبالبيئة العمرانية التي تحتضنها- يجعل الخطاب الشرعي يدور في حلقة مفرغة من الوعظ المنفصل عن الواقع؛ فهو ينظر إلى "فساد بلا مسببات" يمكن إعادة النظر فيها بالإصلاح، ويترك الأمر مبهماً تحت مسمى "الفساد المجتمعي" الذي أفسد كل شيء.

هذه العقلية التي تنطوي تحت التخصص الدقيق في العلوم الشرعية النظرية، وتنفصل عن تطبيقاتها في الواقع المادي، هي ما خلق حالة من النفور عند عامة الناس؛ فالواعظ هنا يصب غضبه عليهم، مهدداً بالوعيد والويل والثبور، دون أن يبصرهم بالأسباب التي دفعتهم لهذا التشوه، وعلى رأسها العمارة التي سكنوها قبل أن تسكنهم.

إن كسر هذه الحلقة يتطلب وعياً مزدوجاً؛ فإصلاح النفوس ضرورة لاستعادة الهوية، ولكن إصلاح "الفراغ المعماري" هو الضمانة لتهذيب السلوك وتوفير بيئة تحترم إنسانية البشر وقيمهم الأصيلة. ويبقى الدرس الأهم أن العمارة التي بنيت وفق منظومة فكرية غريبة كانت هي الجناية الأولى، وما السلوك الاجتماعي الفاسد اليوم إلا صدىً لجدرانٍ غريبة سكنّاها قبل أن تسكننا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...