جمال الهمالي اللافي
مقدمة: ضياع الفطرة في أتون
المادية
يُساق الإنسان اليوم، فرداً وجماعة، نحو غايات ضبابية ترسمها فئات
مجهولة المقاصد؛ فلا ندري أهو الجهل والطيش الذي يغذي نوازعها، أم هو الجشع المادي
الذي لا يقيم وزناً لما يترتب عليه من أضرار، أم هي نزعة تدميرية تسعى لتقويض
النظم البيئية وترك الإنسان تائهاً في أتون تبعاتها.
تتجلى هذه الأزمة في تحول وجودي
خطير؛ فبينما كان الإنسان قديماً ينساق بفطرته السوية نحو غرس الأشجار المثمرة
التي تُغني حياته وتُطعم عياله، تاركاً ما سواها لنواميس الطبيعة وقدر الله لها
بالنمو، صرنا اليوم نشهد طفرة مريبة للمشاتل التي تروج لـ "نباتات الزينة" العقيمة. لقد تهافت الناس
عليها تحت وطأة التضليل، واستبد بهم النفور من الأشجار المثمرة بحجج واهية أُشربوا
إياها، حتى باتت العمارة المعاصرة تتناغم مع النباتات الهامشية، بينما ترفض بحدة
جينات العطاء في الأشجار المثمرة.
عمارة "التعقيم":
الحجج الواهية كسلاح للتغييب
لقد تم إقناع المجتمع بمنظومة من
الذرائع الهشة التي تهدف في حقيقتها إلى "تعقيم الطبيعة"
وجعلها كائناً طيعاً تماماً كالأثاث. ومن أبرز هذه الافتراءات:
·
فرية "اتساخ المكان": الادعاء بأن الأوراق المتساقطة "توسخ" الفناء وتفسد
مظهر الأرضيات الحديثة.
·
هاجس "تخريب الأساسات": الزعم بأن الجذور تتغول لتخرب بنية البيوت وتصدع الجدران.
·
فوبيا "الحشرات": إثارة الذعر من أن الثمر يجذب الحشرات والمخلوقات المزعجة.
دحض الافتراءات: استعادة منطق
الحياة
إن هذه الحجج ليست سوى جهل مغلف بالحداثة، ويمكن تفنيدها بيقين
الفطرة والعلم:
1. الأوراق ذهبٌ عضوي: إن تسمية أوراق الشجر "أوساخاً" هو استعلاء على
الطبيعة؛ فهذه الأوراق هي "سماد مجاني" يغذي التربة. والجهد الضئيل في
تنظيفها هو ضريبة مستحقة مقابل الأكسجين والظل والثمر الذي تمنحه الشجرة بلا
مقابل.
2. الجذور ركائز وليست معاول: التذرع بتخريب الأساسات هو اعتراف بالفشل المعماري وليس ذنباً
للشجرة. الاختيار الصحيح للنوع والمكان يجعل من الجذر مرساةً للأرض؛ فالمشكلة تكمن
في "عشوائية الغرس" لا في "فعل النمو".
3. الحشرات نبض الوجود: الهروب من الحشرات هو محاولة لإنشاء بيئة "ميتة
بيولوجياً". الحشرات كالنحل هي محركات الحياة، والحديقة التي لا تزورها حشرة
هي حديقة بلا روح.
البديل المسخ والسرطان العمراني
ولم يتوقف التزييف هنا، بل برزت "نباتات الزينة الاصطناعية" كبديل مسخ يُسوق له
بذريعة الراحة. إنها "جثث خضراء" بلا روح، تنتشر كالنار في الهشيم لتنتزع
مكان الطبيعة الحية.
وهكذا، يهرول العالم نحو حتفه تحت
وطأة "سرطان عمراني" يلتهم الغابات، وتحت ضربات فؤوس
تحول الأشجار إلى مجرد بضاعة بائسة في ورش النجارة ومواقد الفحم. إنها رحلة
انتحارية تقودها عقلية استهلاكية لا ترى في الشجرة إلا قيمتها المادية أو شكلها
الجمالي الزائف، متجاهلة أنها رئة الحياة وضمانة البقاء.
الخلاصة: إن الشجرة المثمرة ليست عبئاً، بل
هي مدرسة في العطاء؛ أما البلاستيك والزينة العقيمة فهي "وهم الخضرة"
الذي يسلبنا الجوهر مقابل قشرة زائفة. آن الأوان لنستبدل "الخضرة
الميتة" بحياةٍ تثمر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق