دراسة نقدية في أثر الفراغ السكني على السلوك البشري
جمال الهمالي اللافي
البيت ليس مساحة للتفاخر بالرخام، ولا صندوقاً ضيقاً للاقتصاد في
التكاليف. البيت هو "المربي الصامت" الذي يشكل علاقتنا بأنفسنا
وبالآخرين. هل بيوتنا اليوم تبني فينا التواضع والسكينة، أم تورثنا الدونية
والكِبر؟
تُعد العمارة السكنية المرآة
الأصدق لجوهر الحضارة، فهي ليست مجرد تشكيل فراغي يحمي الإنسان من تقلبات المناخ،
بل هي "وعاء تربوي" يصيغ السلوك ويشكل الوجدان. ومع ذلك، نجد أن العمارة
المعاصرة سقطت في فخّين: النفعية المفرطة التي
تجرد المسكن من روحه، والمادية الاستعراضية التي تجرد
الساكن من إنسانيته.
الفراغ المسلوب: سيكولوجية
"القهر الفراغي"
عندما تتحول العمارة إلى مجرد أرقام في معادلة الربح، يظهر
"السكن الهامشي". الشقق التي تُبنى على مبدأ الاقتصاد الصرف، متجاهلةً
متطلبات السكينة، تمارس نوعاً من "القهر الفراغي" على قاطنيها.
وهنا تبرز نظريات علم النفس الاجتماعي، وتحديداً "نظرية الكثافة والازدحام". فالازدحام لا يعني
مجرد عدد الأشخاص في المتر المربع، بل هو الشعور النفسي بفقدان السيطرة على
"المجال الحيوي". عندما يُسلب الإنسان هذا المجال داخل بيته، يرتفع لديه
هرمون التوتر، مما يولد استجابات عدوانية لاإرادية.
هذا الضيق يدفع بالبشر إلى "انفلات" نحو الفضاءات
العامة، لا طلباً للنزهة، بل هرباً من جدران تحولت إلى "أقفاص" تذكي في
النفس شعوراً بالدونية، وتدفع الفرد للتخلي عن وقاره السلوكي بحثاً عن
"براح" مفقود، مما يفسر صخب الشوارع وضجيج المقاهي كظواهر ناتجة عن
"يتم معماري".
صنم المادة: القصور كأبراج عاجية
على الطرف النقيض، تبرز "العمارة التفاخرية" حيث يتحول
البيت إلى أداة للتراتب الاجتماعي. إن الإسراف في الرخام والذهب لا يضيف قيمة
جمالية، بل يعكس "فقراً باطناً". في هذه القصور، تغيب "ألفة
المكان" لصالح "هيبة المادة". يتحول الساكن إلى حارس لممتلكاته،
ويعيش حالة من التكلف التي تقتل عفوية العلاقات. هذه العمارة تبني "أسواراً
نفسية" تعزل أصحابها في أبراج عاجية، حيث يحل الكِبر والتعالي محل الاندماج،
مما يجعل هذه الحصون "حيطاناً من الجحيم" تفتقر لدفء المشاعر.
نحو عمارة "السكينة
والوقار": حلول تطبيقية
إن المخرج يكمن في استعادة مفهوم "السكن" كقيمة أخلاقية،
وذلك عبر أدوات معمارية ملموسة تحقق التوازن الصعب:
·
الاستدامة النفسية عبر "الانفتاح الداخلي": اعتماد "الأفنية" والشرفات الغائرة التي توفر اتصالاً
بالسماء والنبات دون جرح الخصوصية، مما يعيد للإنسان مجاله الحيوي.
·
السمو الجمالي بالتواضع: استخدام مواد طبيعية تمنح شعوراً بالانتماء، حيث الجمال ينبع من
تناسب الكتلة وتلاعب الضوء لا من القيمة السعرية للمواد.
·
التوجيه السلوكي للفراغات: تصميم مسارات تحفظ حرمة السكن، مع خلق "بؤر اجتماعية"
داخلية تشجع على التفاعل العائلي العفوي وتذيب برودة العلاقات.
·
التناغم مع المحيط: واجهات لا تستفز الآخرين
بالاستعلاء، بل تتكامل مع نسيج المجتمع لتقليل الفجوة الطبقية والنفسية.
الخلاصة
إن البيت
هو المؤثر الصامت في صياغة أخلاق المجتمع. فإما أن يكون فضاءً يربي النفس على
الرفعة، أو معولاً يهدم القيمة الإنسانية بفقره الفراغي أو ترفه الباذخ. إننا
بحاجة إلى عمارة "تُسكن" الأرواح قبل الأجساد، عمارة تعيد صياغة مسؤولية
(المصمم، المطور، والمالك) ليكون البناء فعلاً أخلاقياً قبل أن يكون مشروعاً
استثمارياً.
ختاماً.. إن البيت الذي لا يمنحك السكينة هو مجرد استثمار عقاري،
والبيت الذي لا يحفظ وقارك هو سجن مغلف بالخرسانة؛ فالعمارة الحقيقية ليست في
فخامة الطلاء، بل في تلك المساحة التي تسمح للإنسان أن ينمو داخلها سوياً،
متصالحاً مع نفسه، ومتواضعاً مع محيطه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق