جمال الهمالي اللافي
في هذا
النص، أطرح رؤية نقدية وفلسفية عميقة لمفهوم المدينة، متجاوزاً التعريفات
التقليدية الجافة التي تحصرها في تصنيفات وظيفية أو ديموغرافية (صناعية، تجارية،
ريفية، أو حتى ذكية). إنني أفهم المدينة هنا كـ كائن حي يتنفس ويتشكل بوعي
سكانها وحركتهم اليومية، لا بمجرد خطوط هندسية أنحتها بمسطرتي كمعماري على الورق.
1. المدينة كمرآة لخياراتنا المشتركة وذاكرتنا
المكانية
أرى أن
الصورة الحقيقية للمدينة وروحها لا تُصنع بقرار سياسي فوقي أو برغبة فردية معزولة
لمطور عقاري، بل هي محصلة رؤيتنا وتجربتنا المشتركة التراكمية،
التي يؤطرها احترامنا المتبادل للمكان وإحساسنا العميق بالانتماء إليه.
· المواطنة المكانية (انتماؤنا للفضاء العام : تتجاوز فكرة
الخوف من العقوبة لأصل إلى الشعور بأن الفضاء العام هو امتداد لبيتي الشخصي. إن
التزامي كفرد بعدم إيذاء الآخر أو تشويه البيئة (مثل رمي القمامة أو التعدي على
الأرصفة) هو اللبنة الأولى التي أضعها في بناء الحضر، وهو ما يخلق شعوراً بالثقة
والأمان بيننا كجيران.
· الاحتواء الاقتصادي والاجتماعي: أؤمن بأن المدينة الحقيقية
والحيوية هي التي لا تحجر على الأنشطة البسيطة التي تمثل مصادر رزق للفئات الكادحة
بحجة "التنظيم الصارم". فالأسواق الشعبية، وعربات الباعة، والحرفيون
ليسوا في نظري تشوهاً بصرياً، بل هم جزء أصيل من نسيج المدينة الحيوي الذي يمنح
شوارعنا نبضاً وعفوية نفتقدها في المراكز التجارية المغلقة.
2. التحضر الأخلاقي في مقابل القشرة
المعمارية الباردة
أنتقد
بشدة المفهوم السطحي للتحضر الذي يركز على "الأناقة" الخارجية،
والواجهات الزجاجية اللامعة، والقوانين الصارمة التي قد يفرضها مخططون برؤية
"قاصرة" ترى المدينة كنموذج رياضي يجب ضبطه.
· التحضر كفعل يومي وثقافة: بالنسبة
لي، التحضر ليس شكلاً معمارياً يُغلّف المدينة بغلاف أنيق لا يحتمل الاتساخ أو
يرفض استيعاب المتغيرات الطارئة؛ بل هو سلوك عفوي نمارسه يومياً وينبع من قيمنا
الاجتماعية، وتكافلنا مع الآخرين، ونشاطنا الاقتصادي المتفاعل.
· قصور الإدراك المعماري (هندسة العزلة : (عندما
أفشل كمعماري في فهم "العقل الجمعي" وثقافة مجتمعي، فإنني أخلق مدناً
"معاصرة" باردة ومصممة للسيارات أكثر من البشر. مدن تفتقر لروح الحياة
الطبيعية، وتتحول إلى مساحات تقصي الفقراء وتُعقّد تفاعلاتنا الاجتماعية البسيطة.
3. مهمتي كمعماري: "المُيسّر والمستثمر"
لا "المستبد"
أحدد
مهمتي كمخطط للمدن ومعماري في هذا السياق العضوي من خلال:
· استثمار التنوع (التصميم التشاركي) : التخلي
عن دور الديكتاتور الذي يفرض أسلوب حياة محدد، والتحول إلى "مُيسّر"
يحول أنشطتنا الحياتية المتضاربة أحياناً إلى بيئة متناغمة تستوعبنا جميعاً.
· إثراء المحيط بدلاً من محوه : السعي
لخلق عمران يتوافق مع المناخ، ولا يتنافر مع الطبيعة، والأهم من ذلك أنه يحترم
قيمنا الإنسانية والثقافية، ويوفر لنا فراغات مرنة قابلة لإعادة التشكيل حسب
احتياجاتنا.
الخاتمة: سر استدامة وعظمة مدننا القديمة
أجد أن
قوة وروح المدن العتيقة تكمن في أنها نتاج "تخطيط
تراكمي عضوي" قدناه
كبشر عبر الزمن، وتوارثته الأجيال. خطت مساراتها حركة أقدامنا اليومية واحتياجاتنا
المتغيرة، مما جعلها "تضج بعفوية الحياة" ودفء العلاقات الإنسانية. في
المقابل، أرى الكثير من مدننا المعاصرة تقف عاجزة عن خلق هذه الحياة الطبيعية،
لأنها صُممت كقوالب جامدة لا تقبل التغيرات أو التنوع البشري الصاخب.
الخلاصة الكبرى: المدينة
ليست مجرد مساحة جغرافية أو أوعية خرسانية نعيش بداخلها، بل هي الطريقة
التي نختار أن نعيش بها معاً؛ إنها انعكاس لروحنا الجماعية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق