جمال الهمالي اللافي
"المؤمن
للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً". - حديث
شريف
كثيراً
ما أواجه سؤالاً نقدياً حول أسلوبي في تصميم الكتل المعمارية: لماذا تبدو عمارتك أشبه بالصناديق الصامتة؟ أين
التلاعب بالكتل؟ وأين التفاصيل التي تزين الواجهات؟
إجابتي
لا تنبع من مدرسة معمارية غربية حديثة بقدر ما تنبع من عمق ثقافتنا وهويتنا.
منطلقي في تفسير هذه "الصندوقية" هو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم
الذي يشبه واقع المؤمنين بالبنيان المرصوص. هذا المفهوم، الذي يُصطلح عليه
معمارياً بـ "الكتل
المتضامة"،
يظهر بوضوح في مشاريعي كحلٍ يجمع بين بساطة الوحدة وثراء المجموع.
1.
الوحدة
العضوية: الانتقال من الفردية إلى الجماعية
عندما
تنظر إلى عمارتي ككتلة فردية، قد تراها "صندوقاً" مجرداً، لكن هذا
التجريد مقصود. أنا لا أصمم مبنىً ليكون "تحفة" منعزلة، بل أصممه ليكون
جزءاً مقتطعاً من كلٍ متضام. عمارتي ترفض الاستقلالية التي تعزل المبنى عن محيطه بأسوار
وردود موحشة، وتسعى بدلاً من ذلك لتشكيل نسيج عمراني ملتحم يشد بعضه بعضاً.
2.
قيم
الستر والخصوصية (الحشمة)
تنتهج
فلسفتي مبدأ "الستر". الارتدادات الحديثة التي تفتح عليها النوافذ هي في
الحقيقة ثغرات في خصوصية المسكن. في مشاريعي، يمثل "الصندوق المصمت" غلافاً
يحمي حرمة البيت ويمنع التطفل البصري بين الجيران. نحن متحدون في الكتلة، لكننا
مستقلون في الخصوصية، وهذا هو جوهر العمارة التقليدية الواعية.
3.
التواضع
الاجتماعي ونبذ التفاخر
تحترم
عمارتي الفوارق الاقتصادية. الواجهات الخارجية المتقشفة ترفض استعراض الثراء عبر
الزخارف المبالغ فيها التي قد تكسر خواطر الجيران. الجمال في مشاريعي ينكفئ نحو
الداخل؛ حيث يستمتع أهل البيت بالتفاصيل الثرية في فنائهم الخاص، بينما يظهر
الخارج للمجتمع بوجهٍ متواضعٍ ومتجانس.
4.
الكفاءة
الفراغية والاستثمار الأمثل
تلاصق
الكتل ضمن حدود الملكية يتيح استثماراً كاملاً لقطعة الأرض. بدلاً من الارتدادات
الضائعة التي تتحول غالباً لمساحات مهملة أو ممرات للغبار، أقوم بتحويل هذه
المساحات إلى فراغات معيشية داخلية نافعة، مما يجعل "الصندوق" وعاءً
كفؤاً للاحتياجات الإنسانية.
5.
الاستدامة
وظل الجار (التضامن الحراري)
في
أقاليمنا الحارة، يمثل تلاصق المباني ضرورة بيئية. الكتل المتضامة تظلل بعضها
البعض، مما يقلل المساحات المعرضة للشمس ويخلق مناخاً محلياً ألطف. هذا هو
"التكافل البيئي" حيث يحمي البيت جاره من هجير الشمس، مما يقلل الحاجة
للطاقة التبريدية.
6.
المشهد
العمراني: ثراء المجموع
كما تظهر
الصور المرفقة لمشاريعي، فإن السحر الحقيقي يظهر عندما تجتمع هذه
"الصناديق". هنا يتحول التجريد الفردي إلى مشهد متتابع من التفاصيل
المعمارية المتجانسة (المشربيات الخضراء، الأقواس، تدرج الكتلة).
·
في
الحالة الفردية: تبدو الكتلة كصندوق مجرد يوفر
الستر والكفاءة.
·
في
الحالة الجماعية: يظهر التكامل المعماري الذي لا
يفرق بين بيت الغني والفقير، بل يخلق تتابعاً بصرياً لا ينقطع أوصاله.
الخاتمة:
عمارة تشد أزر بعضها
إن
عمارتي "الصندوقية" هي في الحقيقة دعوة للعودة إلى قيمنا الأصيلة. إنها
عمارة لا تبحث عن لفت الأنظار بضجيج الكتل، بل تبحث عن السكينة والتكافل. إنها
تمثل حجر زاوية في جدار المجتمع، حيث لا قيمة للكتلة إلا بمدى قدرتها على الالتحام
مع جاراتها لتشكيل "البنيان المرصوص".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق