أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، فبراير 10، 2026

فلسفة اللون الأبيض في العمارة: بين المرجعية العقدية والهوية المكانية

 


 

جمال الهمالي اللافي

يُعد اختيار اللون الأبيض في التصميم المعماري قراراً يتجاوز المعالجة اللونية السطحية؛ فهو يمثل ثقافة بصرية ومنهجاً يعكس قيم التواضع والصفاء. في فلسفتنا المعمارية، يُطرح الأبيض كإعلان عن "النقاء" وانحياز للوظيفة، حيث لا يزاحم البناء الطبيعة، بل يتفاعل مع ضيائها بمرونة عالية.

1. المرجعية الروحية والقيمة الرمزية

يرتبط اللون الأبيض في سياقنا الثقافي باستلهام روح المساواة والزهد، وهي قيم متجذرة في العقيدة الإسلامية؛ بدءاً من رمزية لباس الإحرام الموحد وصولاً إلى الزينة المحببة في السنّة النبوية ليوم الجمعة. معمارياً، يتم ترجمة هذه القيم عبر مفهوم "العمارة المتواضعة"، حيث يعمل الأبيض كخلفية صامتة تمنح الأولوية للضوء والظل، محققاً وحدة حال بين الإنسان وفراغه المبني بعيداً عن صخب الألوان الاستعراضية.

2. الأبيض كمرابط للهوية المعمارية الليبية

يمثل البياض خيطاً ناظماً في الهوية البصرية الليبية؛ فهو الحل التاريخي في حوائط المدن القديمة لمقاومة القيظ، والسمة الغالبة على بساطة التكوين في عمارة الواحات. في هذا التصميم، يعمل الأبيض كجسر يربط بين الأصالة (المتمثلة في العناصر التراثية كالمشربيات الخشبية والفتحات المقوسة) والمعاصرة (المتمثلة في هندسة الكتل الصافية).

3. الأداء الهندسي وديناميكية الظل

من الناحية التقنية، يحقق الأبيض معايير هندسية دقيقة في الكفاءة الحرارية والاتساع الإدراكي للفراغ. ولضمان عدم تحول البياض إلى "وجوم بصري"، يعتمد المشروع على استراتيجية التضاد وديناميكية الظلال؛ حيث يعمل البياض كـ "مصيدة للضوء" تبرز تدرجات الظلال الساقطة من العناصر الخشبية والبروزات المعمارية، مما يعطي للواجهة إيقاعاً متغيراً بتغير ساعات النهار.

4. اختبار الديمومة والملمسية

خلافاً للتصور الشائع حول سرعة تأثر اللون الأبيض بالعوامل الجوية، أثبتت التجربة الميدانية أن اختيار الطلاء الأبيض ذو الملمس الناعم يساهم بشكل فعال في تقليل تراكم الأتربة والعوالق مقارنة بالأسطح الخشنة. ومن خلال المتابعة الدورية لمباني منفذة بهذا الأسلوب على مدى سنوات عدة في البيئة المحلية، وُجد أن البياض لا يزال يحتفظ بنصاعته ورونقه، مما يؤكد أن ديمومة اللون الأبيض في بيئتنا الليبية تعتمد بالدرجة الأولى على جودة التنفيذ واختيار الملمسية المناسبة لكل بيئة التي تمنع التلوث البصري الناتج عن الغبار والتقادم.

الخلاصة

إن العودة إلى اللون الأبيض في عمارة اليوم ليست نكوصاً نحو الماضي، بل هي استحضارٌ لقيمنا الإنسانية والجمالية. إنها دعوة لإعادة صياغة الفراغ المعماري ليكون شاهداً على التواضع لا البروز، وعلى الجوهَر لا المظهر؛ حيث تظل الجدران البيضاء وسيلةً لارتقاء الروح واتصال البنيان بجذوره العقائدية وبيئته المحلية في آن واحد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...