أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأحد، فبراير 15، 2026

عمارة الشظايا: حين خان المعماري مرآته


جمال الهمالي اللافي

في كل المراحل التاريخية الماضية كانت العمارة المرآة العاكسة لحالة مجتمع ما بأكمله. فإذا بها تضحى اليوم المرآة العاكسة لحالة فرد ما في مجتمعه.

تتجلى أزمة مدننا اليوم في كونها مجرد شظايا متناثرة من مرايا تعكس نرجسيات فردية متنافرة، بدلاً من أن تكون وعاءً لروح الجماعة. هذا التشظي ليس صدفة بصرية، بل هو النتيجة الحتمية لسقوط "الحصن التعليمي" الذي تحول فيه "الوسيط الأكاديمي" من منتج للمعرفة إلى مجرد مروج لثقافة الاستهلاك. لقد فُتحت في هذا الحصن ثغرة نفذت منها رياح التغريب والقسر الأكاديمي، لتقدم العمارة الغربية كعقيدة لا تقبل النقاش، مبررة ذلك بـ "عالمية العلم" في خبث تحايلي يعفي الأكاديمي من عناء البحث في عبقرية عمارته المحلية وتقنين قواعدها المعاصرة.

هذه الثغرة التعليمية لم تكن مجرد إهمال معرفي، بل كانت البوابة التي استباحت من خلالها قوى الاقتصاد السياسي الليبرالي عِرضِنا القيمي؛ فتحول المبنى من فضاء إنساني إلى "سلعة" و"علامة تجارية" تخضع لمنطق السوق. وبدلاً من أن تكون العمارة حائط صد، أصبحت الأداة الرئيسة لعملية مسخ ثقافي شاملة، استلهمت أقبح ما في الإعلام والترويج العقاري، لتمسخ ذائقة مجتمع تحول من منتج للقيم إلى مستهلك تائه لكل وافد.

إن الادعاء بأننا ملزمون بمجاراة النماذج الغربية لتحقيق "المعاصرة" هو الوهم الذي يقتات عليه الفشل؛ فنحن نمتلك في عمارة غدامس وطرابلس القديمة وبيوت الحفر نظاماً تخطيطياً وحضرياً سابقاً لعصره، يحل ببراعة إشكاليات يئن منها الغرب اليوم، مثل تغول السيارات وبرودة العلاقات الإنسانية. الاستلهام هنا ليس "قشرة تراثية" أو حنيناً عاطفياً، بل هو استرداد لنظام حلول متكامل (مناخياً واجتماعياً) أثبت كفاءته في "العيش" وقدرته على صياغة حداثة تنتمي لتربتنا.

وهنا تبرز جناية المعماري الممارس؛ ذلك القائد البصري الذي سلمنا له الرؤية، فخان الأمانة حين تذرع بـ "رغبة الزبون" ليبرر انسياقه وراء الكتل الهجينة. إن التذرع بأن المجتمع المتفسخ هو من أفسد العمارة هو قلب للموازين؛ فالمعماري هو من صنع هذه الذائقة المشوهة وزين للمجتمع أن "الاغتراب" هو قمة الرقي، تماماً كمن يقتل القتيل ثم يبكي في جنازته متهماً إياه بضيق الأفق. إن العالمية الحقيقية لا تعني التخلي عن الذات للمنافسة في ملاعب الآخرين بفكر مستعار، بل تعني الاعتزاز بالرسالة المحلية وتقديم مضامينها الإنسانية بلغة عالمية رصينة.

الخلاصة:

ستبقى العمارة هي المرآة الصادقة التي لا تكذب؛ فإن كانت اليوم مشوهة، فهي تفضح ذلك المعماري الذي ترك حصنه مفتوحاً أمام مسخ الوافد وسلعة السوق، ليغدو غريباً في بيته، ومغترباً في عمارته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...