أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، فبراير 11، 2026

حين يتحدث المعمار… تصمت الفوضى

 التعليم لا ينهض بلا عمارة تليق به

جمال الهمالي اللافي

المقدمة

المدرسة ليست جدرانًا صامتة ولا مقاعد متراصة، بل هي فضاء يكتب في نفوس أبنائه ما تعجز المناهج وحدها عن صياغته. فحين يدخل الطالب إلى فراغ معماري متوازن، مضاء بالطمأنينة، موزعًا بوعي، وجميلًا في تفاصيله، يشعر أن العلم له هيبة وأن النظام ليس قيدًا بل إيقاعًا للحياة. أما حين يواجه جدرانًا بلا شخصية، وممرات بلا روح، وساحات أقرب إلى السجون، فإن الفوضى والعنف والتسيب تصبح هي اللغة اليومية. العمارة هنا ليست مجرد شكل، بل هي المعلّم الأول، والشرط الذي يسبق كل درس وكل كتاب.

العمارة كشرط أولي للتعليم

الفارق بين مدرسة وأخرى ليس موقعها ولا مدرسيها ولا طلابها، بل تصميمها المعماري. مدرسة ذات توزيع فراغي منظم، وإضاءة طبيعية، ومساحات متوازنة بين الحركة والهدوء، تزرع الانضباط وتُشجع على التعلم. أما مدرسة بلا شخصية، بلا جمال، أو أقرب إلى السجون، فهي بيئة تنتج الفوضى والعنف قبل أن يبدأ الدرس.

التأثير النفسي والسلوكي للفراغات

  • الفوضى والتسيب: تنشأ في بيئات عشوائية، حيث لا يوجد وضوح في توزيع الفراغات ولا جماليات تُشجع على الانتماء.
  • الانضباط الذاتي: يظهر في فضاءات مصممة بوعي، حيث يشعر الطالب أن المكان يفرض احترامًا وهيبة، فينعكس ذلك على سلوكه.
  • الجماليات: ليست ترفًا، بل عنصرًا تربويًا. الجمال يزرع الطمأنينة، ويُحفّز على التعلم، ويُرسّخ قيمة العلم كفعل حضاري.

المناهج والعمارة: لقاء الشرطين

لا تكفي المناهج وحدها، ولا العمارة وحدها. إنقاذ مسار التعليم في ليبيا يبدأ من المدرسة كمعمار، ثم مناهجها كفكر. حين يلتقي التصميم الرصين بالمناهج السليمة، يصبح التعليم مشروعًا متكاملًا، يغيّر السلوك تلقائيًا من الفوضى والعنف إلى الانضباط والسلوك السوي.

مراحل التعليم والعمارة المناسبة لكل مرحلة

  • الابتدائي: فراغات تحتضن اللعب والانضباط معًا، حيث يتعلم الطفل أن الحرية لا تعني الفوضى.
  • الإعدادي والثانوي: فضاءات أكثر جدية وهيبة، تعزز المسؤولية وتُرسّخ الانتماء.
  • الجامعي: عمارة تفتح أفق البحث والحوار، وتُشجع على التفكير النقدي، لا مجرد قاعات تلقين.

خاتمة

إن إصلاح التعليم في ليبيا لن يتحقق عبر ترقيع المناهج أو زيادة ساعات التدريس، بل يبدأ من إعادة الاعتبار للمدرسة كفضاء معماري يزرع النظام والجمال في النفوس قبل أن يزرع المعرفة في العقول. إن المدرسة هي المعلّم الأول، وهي التي تحدد ما إذا كان الطالب سيدخل إلى عالم الانضباط والسلوك السوي، أو إلى دوامة الفوضى والعنف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...