أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، فبراير 06، 2026

دور المرأة الليبية في ترسيخ الأصالة المعمارية

 

جمال الهمالي اللافي

المقدمة

العمارة ليست جدراناً تُشيَّد أو زخارف تُعلَّق، بل هي انعكاس مباشر لخيارات الإنسان في العيش والهوية. وإذا كانت بصماتها في الماضي قد ظهرت في الزخارف والألوان، فقد امتد حضورها أيضاً إلى صناعات يدوية كثيرة ارتبطت بالبيت الليبي المحلي، مثل صناعة المفروشات والحصائر والسجاد والأواني الفخارية، وهي أعمال لم تكن مجرد أدوات للعيش، بل تجسيداً للهوية المحلية وذاكرة المكان. أما اليوم، فقد تجاوز دور المرأة هذه المساهمات ليصبح دوراً محورياً في اتخاذ القرارات التي تمس أسرتها، وفي تحديد ملامح البيت الذي يعكس هوية المجتمع وذاكرته. يصبح قرارها في اختيار النمط المعماري أكثر من مجرد ذوق شخصي؛ إنه قرار ثقافي واجتماعي يحدد ملامح الحاضر ويرسم صورة المستقبل. وحين تنحاز المرأة إلى الأصالة، فهي لا تختار بيتاً فحسب، بل تختار أن تمنح أسرتها ذاكرة متجذرة، وأن تضع المجتمع على طريق الاستقرار والتميز، وأن تُعيد للعمارة الليبية مكانتها التي تستحقها.

العمارة بين الأصالة والاغتراب

المشاريع التي تُشيَّد بلا هوية، فاقدة الملامح، تعتمد على الإسراف في مواد البناء والتشطيب والتكييف والتدفئة، سرعان ما تفقد بريقها بعد سنوات قليلة، وتتحول إلى مبانٍ عادية بلا قيمة. في المقابل، العمارة المحلية تحتفظ بجمالياتها وتأثيرها، وتزداد بهاءً كلما تقادم بها الزمن، لأنها تنسجم مع المناخ، وتتكيف مع العادات، وتستمد قوتها من ذاكرة المكان.

المرأة كحارسة للهوية

إن المرأة، حين تختار البيت المحلي، تختار في الحقيقة أن تكون حارسة للهوية وراعية للخصوصية. الأصالة في البيت، كما في اللباس والعادات، تمنحها شعوراً بالرضا والرفاهية الاجتماعية، لأنها تعكس هوية الأسرة وتؤكد مكانتها. أما التقليد الأعمى للشعوب الأخرى فلا يورث سوى نسخة باهتة، تفقد قيمتها سريعاً وتذوب في زحام النسخ المتشابهة.

الخاتمة

إن مستقبل العمارة الليبية لا يُحسم في مكاتب المهندسين وحدهم، بل في اختيارات النساء داخل بيوتهن، وفي رؤيتهن لما يليق بالأسرة والمجتمع. وحين تختار المرأة البيت الذي يستلهم عناصره من المحلية، فهي تختار أن تمنح أبناءها ذاكرة أصيلة، وأن تضع أسرتها في موقع الاستقرار والتميز، وأن تُعيد للعمارة الليبية مكانتها التي تستحقها.

وعليه، فإن مسؤولية المرأة اليوم ليست مجرد اختيار شكل بيت أو تفاصيل تشطيب، بل هي مسؤولية ثقافية واجتماعية، تُعيد للعمارة الليبية هويتها، وتضمن لها الديمومة والانتشار. إن المرأة الليبية، حين تختار بيتاً يستلهم ذاكرة المكان، لا تبني جدراناً فحسب، بل تبني استقراراً ومعنىً لأجيال قادمة. إنها تختار أن تكون صوتاً للأصالة في زمن يغري بالمسخ، وأن تمنح العمارة الليبية فرصة لتستعيد مكانتها كذاكرة حيّة وهوية متجددة. فاختيارها ليس قراراً فردياً، بل فعل مقاومة ثقافية، تنتصر به العمارة المحلية وتستعيد به ليبيا وجهها الأصيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...